معمر عواد مدير مكتب CNBC عربية في الدوحة الخطر الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم لا يقتصر على هشاشة الوضع السياسي والأمني، أو صعوبة التوصل إلى تسوية بين القوى والمكونات المتنازعة على النفوذ والسلطة، بل يكمن في احتمال تحول تلك الخلافات إلى حالة مزمنة تعطل قيام الدولة، وتُعيد إنتاج الانقسامات على أسس طائفية وعرقية ومناطقية.
لقد كشفت التجربة السورية، بعد نحو عامين من سقوط سلطة الأسد، أن إسقاط منظومة سياسية وتغيير شكل السلطة لا يعنيان بالضرورة قيام دولة، وأن الانتقال من الصراع إلى الاستقرار يحتاج إلى ما هو أبعد من التفاهمات السياسية وتقاسم المواقع والمناصب. فالدولة لا تُبنى بالتسويات وحدها، وإنما بمصالح مشتركة تجعل المواطنين، على اختلاف انتماءاتهم، شركاء في مستقبل واحد، وتربط مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية بمصير الكيان الوطني.
من هنا، ربما يكون المدخل الأكثر واقعية للخروج من المأزق هو إعادة ترتيب العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، والانتقال من خطاب الوحدة الوطنية بوصفها شعاراً إلى مشروع اقتصادي يترجمها إلى مصالح ومكاسب ملموسة. فالوحدة التي تعجز السياسة وحدها عن تحقيقها يمكن للاقتصاد أن يفتح أمامها مساراً مختلفاً، لا بديلاً عن التسوية السياسية، وإنما قاعدة مادية واجتماعية تسندها وتحميها.
سوريا اليوم أشد حاجة إلى مؤتمر اقتصادي وطني تأسيسي، يضع ملامح مشروع اقتصادي جامع، لا يقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل يستهدف توسيع قاعدة الملكية والمشاركة الاقتصادية، وإعادة توزيع الفرص والعوائد على نحو أكثر عدالة، وتحويل المواطن من متلقٍّ للمساعدات والقرارات الحكومية إلى شريك في الإنتاج والاستثمار وصناعة القرار.
وقد يكون تأسيس شركات مساهمة عامة وطنية في القطاعات الاستراتيجية أحد المداخل العملية لتحقيق ذلك، من خلال نموذج تمتلك الدولة فيه الحصة الأكبر، ويُطرح الجزء المتبقي من رأس المال للاكتتاب العام، بما يتيح للسوريين، بمختلف طوائفهم ومناطقهم وأعراقهم، امتلاك حصص مباشرة في أصول ومشروعات وطنية، وفق معايير اقتصادية واضحة، بعيداً عن منطق المحاصصة الطائفية والمناطقية.
ويمكن أن تشمل هذه الشركات قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والطرق والمطارات والطاقة والخدمات اللوجستية. وهي قطاعات لا تقتصر أهميتها على تحقيق العوائد المالية، بل تمتد إلى بناء قاعدة إنتاجية قادرة على استيعاب العمالة، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وربط المحافظات والمناطق بشبكة من المصالح المتبادلة.
ليست الفكرة إنشاء شركات حكومية تقليدية تعيد إنتاج البيروقراطية، أو خصخصة الأصول العامة وبيعها لمجموعات مالية محدودة وشخصيات نافذة، وإنما تأسيس نموذج للشراكة الوطنية يقوم على ملكية عامة محوكمة، تتولى الدولة فيه دور المستثمر الاستراتيجي والمنظّم، ويكون المواطن شريكاً في رأس المال والعائد، ضمن قواعد الشفافية والمساءلة وحماية حقوق المساهمين.
مقالات أخرى للكاتب:
ولكي لا يتحول الاكتتاب العام إلى امتياز للأغنياء، أو بوابة لتركيز الملكية في أيدي قلة، لا بد من وضع ضمانات واضحة، تشمل تحديد سقف للملكية الفردية، وتخصيص نسبة من الأسهم للمناطق الأكثر تضرراً ولذوي الدخل المحدود بشروط ميسّرة، إلى جانب الإفصاح عن هياكل الملكية وإخضاع الشركات لرقابة مستقلة تمنع الاحتكار وتضمن تكافؤ الفرص. فالعدالة في توزيع الملكية جزء من نجاح المشروع، وليست تفصيلاً يمكن تأجيله.
ومن أهم أبعاد هذا الطرح أن تمويل إعادة بناء سوريا لا ينبغي أن يبدأ بالبحث عن المستثمر الخارجي، أو انتظار مؤتمرات المانحين والتعهدات الدولية. فالسوريون في الداخل والمهجر يمتلكون مدخرات وخبرات ورؤوس أموال يمكن أن تشكل قاعدة تمويل مهمة، إذا توافرت البيئة القانونية والمؤسسية التي تمنحهم الثقة والأمان.
ليس المقصود هنا إغلاق الباب أمام الاستثمار الأجنبي، فهو ضرورة لنقل التكنولوجيا والخبرات وتوسيع الأسواق، وإنما.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من قناة CNBC عربية
