كاميليا فاتنة وثلاثة صحفيين.. تقليب فى أوراق «حادث».. صار منجمًا صحفيًا لا ينضب

التاريخ ملىء بالألغاز التى لا تحلها الأيام.. بل تزيدها غموضًا وتشبيكًا.. وتتعاقب عليها الأجيال وكل جيل يضع رتوشه على الحكاية، لتتحول الواقعة إلى أسطورة يتداولها الناس ويصير أبطالها موضوعًا لقصص يصيغها الخيال الشعبى الذى يجيد الخلط بين الواقع وغيره.. وإن أردت واقعة أو حكاية كتدليل على ما سبق.. فليس هناك أفضل ولا أهم من قصة كاميليا، المرأة التى غادرت الدنيا محروقة داخل طائرة فى آخر ساعات شهر أغسطس ١٩٥٠ منتصف القرن العشرين تمامًا، وتركت الجميع فيما بقى من سنين نفس القرن والقرن الذى يليه يتساءلون عن لغز لا يتمنى الجميع حسمه حتى لا تفسد المتعة، وهو لغز مقتل كاميليا صاحبة أجمل وجه امرأة مر من أمام كاميرات السينما المصرية عبر تاريخها العريض

لسنا هنا بصدد محاولة إثبات أى معلومة التصقت بكاميليا سواء كانت جاسوسة أو عشيقة للملك أو أى توصيف آخر يزيد الحكاية تشويقًا وإثارة تكافئ دراما حياتها من الميلاد إلى الموت.. لكننا نحاول تلمس بعض الخفايا الإنسانية عن تلك الفتاة التى شغلت العالم فى حياتها القصيرة كما شغلته بعد موتها

وكما كانت كاميليا فى حياتها الفنية القصيرة مصدرًا صحفيًا بجمالها الأخاذ وحكاياتها المثيرة فى الأفلام وكواليسها.. تحولت بعد موتها إلى منجم صحفى هادر لا ينضب أبدًا من الحكايات والأسرار التى تتفجر بين كل ثانية والأخرى بأقلام كبار الصحفيين الذين صالوا وجالوا فى صحف الخمسينيات ومجلاتها

من بين كل الصحفيين الذين ارتبطت أسماؤهم بكاميليا يبقى ثلاثة أسماء من كبار من امتهن تلك المهنة هم أساس لمعان قصة كاميليا، وهم بالترتيب محمد حسنين هيكل وحسن إمام عمر وأنيس منصور عبر تغطية استثنائية لحادث موتها، فى حالة الأول، أو أسرار عنها بعد وفاتها، كما فى حالة الثانى، أو ربط قدرى بين موتها وحياة الثالث على حد قوله

محمد حسنين هيكل.. صحفى الحوادث الشاب يواصل انفراداته عندما وقعت الطائرة ٩٠٣ نجمة الميريلاند فى آخر ساعات شهر أغسطس ١٩٥٠ كان اسم الصحفى الشاب محمد حسنين هيكل لامعًا كشمس النهار التى تشرق بعد قليل.. حيث كان بطل أغلب التغطيات الكبرى فى الصحافة المصرية منذ منتصف الأربعينيات وهو ما زال يحبو فى سنوات عمره العشرينية.. ونالت تغطياته الكبرى لأهم أحداث العالم صيتًا عاليًا فى مصر، ومن تلك الأحداث الحرب العالمية الثانية فى العلمين وحرب فلسطين ١٩٤٨ وتفشى وباء الكوليرا فى قرية القرين بالشرقية وتحقيقه البديع عن خُط الصعيد، والذى كان مصدر المعلومات الرئيسى عن ظاهرة هذا السفاح الاستثنائى فى تاريخ الإجرام

وفى وسط كل تلك الإنجازات وقعت طائرة كاميليا التى كانت أهم حدث فى مصر حينها.. فلم يكن هناك أولى من حسنين هيكل، صحفى الحوادث وصاحب الانفرادات الهائلة، لتغطية ذلك الحدث لمؤسسة أخبار اليوم

هيكل روى تفاصيل الحادث لحظة بلحظة فى أسلوب أدبى رفيع من أول مطار فاروق وحتى مسرح النهاية فى صحراء الدلنجات، حيث سقطت الطائرة. وكتب هيكل عنوانًا مبهرًا فى صياغته ليعبر عن مصرع كاميليا قائلًا: «نار احترقت فى نار»، ثم يسرد صحفى «أخبار اليوم» سيناريو القدر الذى جمع ضحاياه فى طائرة الموت بالنص: «بدأ القدر أول خطوة فى لوحته المروعة فى الساعة الثانية عشرة والنصف من صباح يوم الخميس آخر أيام أغسطس، وبدأ يختار أبطال لوحته فى مطار فاروق!.. كان مشهد المطار لحظتها عاديًا... وكانت الطائرة رقم ٩٠٣ نجمة ميريلاند قد هبطت أرض المطار قادمة من مومباى. ونزلت هيئة القيادة كى تترك الطائرة لهيئة قيادة جديدة تتولاها باقى الرحلة. وأمام الطائرة التقى القائدان، الذى انتهت نوبته والذى عليه الدور... وقال أولهما للثانى:

تسلم الطائرة... كل شىء فيها على ما يرام

وصعدت هيئة القيادة الجديدة إلى الطائرة، وهكذا خطا القدر أولى خطواته. اختار الطائرة وهيئة قيادتها من الضحايا»

وأكمل هيكل بنفس أسلوبه الأدبى وصف باقى ركاب الطائرة الذين اختارهم القدر حتى وصل لكاميليا، وهذا توصيف الصحفى الشاب لما حدث:

«.. وسمع فى أرجاء المطار صوت الميكروفون يقول: ركاب الطائرة ٩٠٣ يتفضلون إلى الطائرة. وفعلًا اتجهوا إليها.. وكان هناك زحام على سلم الطائرة. وعلى أولى درجات السلم وقفت الممثلة الفاتنة كاميليا، وكان أحد موظفى الدعاية فى شركة الطيران، وهو الأستاذ حسن سمرة، قد استوقفها كى يلتقط لها أحد المصورين صورة تستغلها الشركة فى الدعاية

وقفت كاميليا تضحك والتقطوا لها صورتين.. وصاحت ضاحكة: كمان صورة

وقال لها الأستاذ حسن سمرة: تكفى صورتان لأن الطائرة على وشك القيام

وقالت كاميليا فى إصرار: يعنى هى الدنيا ح تطير؟!!

والتقطوا لها صورة ثالثة قبل أن تطير الدنيا، وأقفلوا عليهم الباب

صعد الركاب (٤٨ راكبًا) ثم أقفل باب الطائرة عليهم جميعًا، الأبطال الذين اختارهم القدر ووضعهم فى الطائرة، وبدأت المحركات تدور

وانزلقت الطائرة فى مماشى المطار، وارتفعت فى الجو، ولوح بعض المودعين لأنوارها الحمراء والخضراء الطائرة مع النجوم. وكانت الساعة الواحدة والدقيقة الخامسة والثلاثين، وسمع موظف اللاسلكى فى مطار فاروق صوت قائد الطائرة يقول: أوكى.. أى أن كل شىء على ما يرام

ومرت اثنتان وعشرون دقيقة صامتة.. وفى الساعة الواحدة والدقيقة السابعة والأربعين انبعث من جهاز اللاسلكى فى مطار فاروق صوت ضابط اللاسلكى فى الطائرة يقول: نجمة ميريلاند تنادى القاهرة. هل تسمعنى؟ وردت محطة اللاسلكى فى المطار:

نحن معك. وقال سبيلز:

نحن الآن فى طريقنا إلى البحر.. الجو هادئ. كل شىء على ما يرام

فى الساعة الخامسة والنصف صباحًا كانت أول خيوط الشمس تسقط على الرمال عند حدود مديرية البحيرة مع الصحراء. عند قرية (دست) ومن مركز كوم حمادة تحرك قطار صغير تابع لشركة خطوط الدلتا، وكان القطار فى طريقه إلى المحاجر فى وادى النطرون، وشاهد ركابه حطام الطائرة فى الصحراء، فأبلغوا البوليس مؤكدين وجود جثث كثيرة فوق الرمال

وطار الخبر إلى كل أنحاء مصر». على الرغم من تسابق صحف مصر على تغطية هذا الحادث الكبير، الذى أصبح المانشيت الرئيسى فى كل الجرائد وعلى رأسها الأهرام وجاء عنوانها الكبير «مصر تشهد مأساة مروعة فى عالم الطيران». لكن تبقى تلك التغطية الأدبية الرفيعة التى صاغها الصحفى الشاب الموهوب محمد حسنين هيكل ذات طابع خاص، ما يجعل أمر تربعه على قمة الهرم الصحفى بعد هذا الحادث بسنوات قليلة جدًا أمرًا منطقيًا تمامًا، حيث اختاره على أمين رئيسًا لتحرير مجلة آخر ساعة بعدها بسنتين فقط وسنه لم تكن سوى ٢٩ عامًا فقط

حسن إمام عمر.. صاحب الأسرار ومالك الخفايا حسن إمام عمر، الصحفى والناقد الفنى الكبير، كان دائمًا لديه ما يحكيه عن نجوم الفن الذين عايشهم وعرفهم عن قرب وصادق أغلبهم منذ بداية عمله فى الصحافة الفنية فى الأربعينيات، حيث عُرف عن الرجل أن بيته كان ملتقى الفنانين والصحفيين على السواء، الذين كانوا يعتبرون بيته ملاذًا آمنًا لتبادل الحكايات والتجارب بعد يوم العمل الشاق

لذلك كله عندما يتكلم حسن إمام عمر فى قصة كاميليا، فإن كلامه يثقل بميزان مختلف عن كثيرين أدلوا بدلوهم وأضافوا رتوشًا من قبيل الفلفل والبهارات

عمر كانت له شهادة مهمة عن حياة كاميليا ولغز موتها، حيث قال إن كاميليا هى نتيجة حمل سفاح من تاجر أقطان إيطالى مسيحى، وكان متفقًا على الزواج مع أم كاميليا إلا أنه خسر فى البورصة فهرب إلى بلده، فاضطرت.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 9 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
موقع صدى البلد منذ 18 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 5 ساعات
بوابة الأهرام منذ 13 ساعة
صحيفة الوطن المصرية منذ 7 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 15 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 17 ساعة
مصراوي منذ 15 ساعة
موقع صدى البلد منذ 8 ساعات