تعتمد حياتنا بشكل مذهل على غاز خفيف وخامل، رغم هشاشة إمداداته، ألا وهو غاز الهيليوم.
شعرت نانسي واشنطن بالإحباط عندما علمت بعدم وصول شحنة الهيليوم. تلقّت وفريقها من الكيميائيين في مختبر شمال غرب المحيط الهادئ الوطني بالولايات المتحدة إشعاراً مفاجئاً من موردهم يفيد بعدم توافر شحنتهم المعتادة من الغاز، الضروري لإجراء العديد من التجارب.
أدى النقص إلى تقليص إمدادات الهيليوم، واضطر المختبر ببساطة إلى الاكتفاء بكمية أقل، ففي الأسابيع الأولى من ذلك العام، تراجعت الإمدادات إلى ما دون 2500 لتر (660 جالوناً) التي كان يستقبلها عادةً، وبحلول أبريل/ نيسان، أي بعد شهرين فقط، لم يكن المختبر يحصل إلا على أقل من نصف احتياجاته من الهيليوم.
نظراً لامتلاك المختبر عدداً محدوداً من الأجهزة التي تحتاج إلى إعادة تعبئة منتظمة بالهيليوم السائل، لم يكن أمامه خيار سوى إعطاء الأولوية للأجهزة الأكثر أهمية، ومن بينها كان مطياف الرنين المغناطيسي النووي المفضل لدى نانسي، وهو برج ضخم قادر على تحليل البنية الجزيئية للذرات، وتساعد قياساته في تطوير تقنيات مثل البطاريات وأنظمة تخزين الطاقة.
كان هذا المطياف هو الوحيد من نوعه في أمريكا الشمالية، وبعد أقل من 12 شهراً من تركيبه، أظهر نتائج مثيرة للاهتمام!
فعند تشغيله على عينات من أكسيد المغنيسيوم، أظهر أن هذه المعادن قادرة على سحب الكربون من الغلاف الجوي، وقد اكتُشفت هذه "المعدنة الكربونية" منذ فترة طويلة كوسيلة لمكافحة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لكن النتائج أظهرت مدى فائدة هذه المعادن.
تقول واشنطن: "لم يكن هناك دليل واضح سابقاً على تكوّن الكربونات على هذه الأنواع من أكاسيد المغنيسيوم"، وتضيف: "لم أصدق البيانات في البداية، لكن الحصول عليها والطريقه التي سارت بها هذا الاكتشاف كان أمراً مذهلاً".
لكن سرعان ما اضطر كل هذا العمل إلى التوقف فجأة.
إذ شكّل معدل استهلاك هذا الجهاز للهيليوم مشكلة، أدى ذلك لتبعات وصفتها واشنطن بأنها "صادمة"، حيث تم فصل الطاقة عن الجهاز وإيقافه مؤقتاً، وعُلقت تجاربه، و بقي الجهاز غير قابل للاستخدام لعدة أشهر حتى يتم تأمين المزيد من الهيليوم. واليوم على الرغم من أنه عاد للعمل، ولكن المختبر لديه الهيليوم الذي يحتاجه بشكل مؤقت.
ما هي استخدامات الهيليوم؟ يتم تسليط الضوء على مدى ضعف إمدادات الهيليوم، وأسباب السعي العالمي لإيجاد طرق للحفاظ على هذا الغاز الأساسي وإعادة تدويره.
لم يقتصر تأثير النقص في عام 2022 على الباحثين وحدهم؛ فقد لا تدرك ذلك، لكن الهيليوم يدخل في العديد من المنتجات والعمليات التي تواجهها يوماً.
على سبيل المثال، تُعدّ المستشفيات أكبر مستهلك للهيليوم عالمياً، إذ تمثل نحو 32% من السوق، يُستخدم هذا الغاز في تبريد المغناطيسات داخل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI).
كما يُستخدم الهيليوم في تصنيع أشباه الموصلات (رقائق الحاسوب)، التي تُعدّ أساس الأجهزة الإلكترونية. كما يستخدم في اللحام، بل وحتى في ضغط خزانات وقود الصواريخ التي تُطلق الأقمار الصناعية إلى المدار. إضافةً إلى ذلك، يُعدّ الهيليوم جزءاً من خليط الغازات المُستخدم في نفخ الوسائد الهوائية للسلامة في السيارات.
الهيليوم غاز عديم الرائحة وخفيف للغاية، وعلى عكس عنصر آخر خفيف جداً كان يُستخدم سابقاً في المناطيد، وهو الهيدروجين، فإنه لا يشتعل أبداً. عند تبريده، يتحول إلى سائل فقط عند درجة حرارة شديدة الانخفاض، تبلغ حوالي 4.2 كلفن (-269 درجة مئوية/-452 فهرنهايت).
إضافةً إلى ذلك، لا يتجمد الهيليوم تحت الظروف الجوية العادية، حتى عند الوصول إلى الصفر المطلق (0 كلفن أو -273 درجة مئوية/-460 فهرنهايت)، هذا يجعله مفيداً للغاية.
تقول صوفيا هايز، أستاذة الكيمياء بجامعة واشنطن في سانت لويس: "الهيليوم عنصرٌ سحري، لا مثيل له في الكون".يكتسب الهيليوم السائل خصائص فريدة عند تبريده إلى ما يقارب الصفر المطلق، حيث يتحول إلى سائل فائق يتميز بانعدام الاحتكاك. إذا حُرِّك كوب يحتوي على هذا السائل، فسيستمر في الدوران داخله نظرياً إلى الأبد. يُعد الهيليوم فائق السيولة ضرورياً للموصلات الفائقة واسعة النطاق، مثل تلك المستخدمة في مصادم الهدرونات الكبير في سيرن، الواقع على الحدود بين سويسرا وفرنسا.
منذ عام 2006، تواجه الكميات المعروضة من الهيليوم نقصاً متكرراً، بدأت مؤشرات النقص تظهر في يناير/ كانون الثاني 2022، ثم عادت للتحسن في العام التالي، إلا أن إمدادات الهيليوم ظلت محدودة، حيث يكافح المنتجون لمواكبة الطلب المتزايد.
من المتوقع أن يزداد الطلب على الهيليوم بشكل كبير، إذ يقدّر بعض المحللين أنه قد يتضاعف بحلول عام 2035، وذلك نظراً لدوره الحيوي في تصنيع أشباه الموصلات وبطاريات المركبات الكهربائية، بالإضافة إلى استخداماته في مجالات الطيران والفضاء.
هناك مصدران فقط للهيليوم: تفاعلات الاندماج النووي عالية الطاقة داخل النجوم، بما فيها الشمس، والتحلل التدريجي للعناصر المشعة في قشرة الأرض.
ونظراً لعدم قدرتنا على تصنيع الهيليوم صناعياً بالتقنيات الحالية، فإنه يُعد مورداً محدوداً، وبدلاً من إنتاجه، يُستخرج عادةً مع الغاز الطبيعي عبر حفر آبار عميقة في باطن الأرض، وهي عملية لا تزال مقتصرة على عدد قليل من الشركات عالمياً.
يعتبر الهيليوم عنصراً يصعب احتواؤه بشكل ملحوظ، فقد أسهم استخراج وحرق الوقود الأحفوري في زيادة تراكمه في الغلاف الجوي للأرض خلال العقود الأخيرة، ما أدى إلى استنزاف احتياطياته التي كانت محفوظة داخل الكوكب.
لكن بسبب خفته الشديدة، يتسرب الهيليوم تدريجياً من الغلاف الجوي متجهاً إلى الفضاء. وعندما يكون في حالته فائقة السيولة، يمكنه النفاذ عبر أضيق الشقوق والثقوب، بل وحتى التدفق صعوداً على الجدران، هذه الخصائص تجعل التعامل معه وتخزينه تحدياً كبيراً، إذ يمكن أن يضيع بسهولة بعد الاستخدام.
كل هذه العوامل تجعل سلسلة توريد الهيليوم غير مستقرة، ما تسبب في حدوث أربع أزمات نقص عالمية خلال العشرين عاماً الماضية فقط.
أبرز هذه الأزمات عندما أدى النقص الحاد في عام 2022 بالهيليوم إلى إفساد بعض أبحاث واشنطن، وذلك حدث بعد سلسلة من الحرائق في مصنع روسي كبير لمعالجة الغاز في منطقة أمور في سيبيريا.
وفاقمت الحرب في أوكرانيا المشكلة، من خلال زيادة أزمة الإمدادات، حدث ذلك بالتزامن مع توقف مصنع الهيليوم في قطر عن العمل للصيانة المخطط لها، وفي الوقت نفسه، تم إغلاق وحدة تخصيب الهيليوم الخام في الاحتياطي الوطني الأمريكي للهيليوم خلال صيف عام 2021، ومرة أخرى لمدة أربعة أشهر في نهاية يناير 2022.
أدى إغلاق تلك المراكز في الولايات المتحدة إلى إزالة حوالي 10٪ من الطاقة الإنتاجية العالمية للهيليوم من سلسلة التوريد، وقد أدت هذه الحوادث مجتمعة إلى نقص مفاجئ وسلطت الضوء على مدى ضعف إمدادات الهيليوم في العالم.
وبحلول عام 2023، تضاعف سعر البيع الصناعي للهيليوم تقريباً عما كان عليه قبل خمس سنوات، ليصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق.
على الرغم من زيادة إنتاج الهيليوم منذ ذلك الحين، لا يزال العالم يواجه اضطرابات محتملة تؤدي إلى تقلبات في أسعار السوق.
ففي سبتمبر 2024، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على روسيا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي