تتجه صناعة الإعلام العربي إلى مرحلة إعادة هيكلة اقتصادية عميقة، تحكمها تغيّرات في حجم الطلب الرقمي، وهيكل التكاليف، ونماذج العائد، ضمن سياق عالمي يتسم باتساع قاعدة الجمهور المتصل وتسارع الرقمنة. وتبرز خصوصية هذا المسار في العالم العربي بفعل التركيبة الديموغرافية الشابة، والانتشار المتزايد للمنصات الرقمية، وتنامي الاستثمارات في البنية التحتية التقنية في عدد من أسواق المنطقة.
ففي عام 2025، يستخدم نحو 67.9% من سكان العالم الإنترنت، بينما تجاوز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 5.24 مليار شخص، ما انعكس على الأسواق العربية بانتقال الجزء الأكبر من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى منصات رقمية عالية التنافسية. هذا التحول فرض ضغوطاً متزايدة على هوامش الربح التقليدية، ورفع كلفة المنافسة على انتباه المستخدم، وأعاد تعريف القيمة الاقتصادية للمحتوى من حيث إنتاجه وتوزيعه وتحقيق العائد منه.
«قمة بريدج 2025».. «الإمارات للإعلام» يوقّع 5 شراكات لدعم النشر المحلي
السوق الرقمية وانتقال رأس المال
من منظور اقتصادي كلي، يعكس نمو سوق التحول الرقمي العالمية انتقالاً واسع النطاق لرأس المال نحو القطاعات القادرة على توظيف البيانات والتكنولوجيا في إيجاد قيمة مستدامة. فقد تجاوز حجم هذه السوق تريليون دولار في عام 2025، مع توقعات بوصولها إلى 4.6 تريليون دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 28%، بما يشمل الصناعات المعتمدة على المحتوى وفي مقدمتها الإعلام.
بالنسبة للمؤسسات الإعلامية العربية، يعني هذا التحول أن الاستثمار في التكنولوجيا لم يعد بنداً تشغيلياً يُحمَّل على الميزانيات، بل تحول إلى استثمار رأسمالي يستهدف تحسين الإنتاجية وتعظيم العائد على الأصول الرقمية.
وتُظهر المؤشرات أن اعتماد الاستراتيجيات الرقمية أدى إلى خفض ملموس في تكاليف التشغيل، لا سيما تلك المرتبطة بالطباعة والتوزيع والبنية التحتية التقليدية، مع تحقيق نمو واضح في الإيرادات الرقمية على المدى المتوسط والطويل، وهو اتجاه بدأت مؤسسات عربية عديدة في محاكاته وتكييفه مع خصوصية أسواقها.
الهدف لم يعد زيادة عدد الزيارات فقط
على مدى سنوات طويلة، انصبّ التركيز داخل العديد من المؤسسات الإعلامية العربية على ضمان استمرارية النشر وسلامة الأنظمة. إلا أن البيئة الرقمية الحالية فرضت انتقالاً نحو نموذج يقوم على تعظيم القيمة الاقتصادية للمحتوى. فقد أصبحت البيانات والتحليلات المتقدمة عنصراً محورياً في التخطيط التحريري والتجاري، حيث تُستخدم لفهم سلوك الجمهور، وتحسين توزيع المحتوى، وتحديد فرص النمو عبر قنوات متعددة.
هذا التحول مكّن غرف الأخبار العربية من الانتقال من النشر التفاعلي إلى السرد الاستباقي، القائم على مؤشرات مثل عمق القراءة، ومدة التفاعل، وأنماط التصفح داخل الصفحة. والهدف لم يعد زيادة عدد الزيارات فقط، بل بناء علاقة طويلة الأمد مع القارئ، وتحسين قيمة المستخدم على المدى الزمني، وهو ما ينعكس مباشرة على نماذج الاشتراك وجاذبية المنصات الرقمية للمعلنين.
الذكاء الاصطناعي والأتمتة كعامل إنتاج
تُظهر بيانات منصة «واي فاي تالنتس» (WifiTalents) التحليلية لعام 2025 تسارعاً واضحاً في تبني التقنيات الذكية داخل قطاع الإعلام. فقد تبنّت 72% من شركات الإعلام أدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة في إنتاج المحتوى، ما أسهم في تقليص زمن الإنتاج وخفض الكلفة المرتبطة بالعمليات اليدوية كثيفة الموارد. هذا التوسع في الأتمتة رفع إنتاجية غرف الأخبار، وأتاح إنتاج محتوى متعدد الصيغ والقنوات بعائد أعلى لكل وحدة محتوى.
في موازاة ذلك، أكدت 54% من المؤسسات الإعلامية أن تحليلات البيانات حسّنت بشكل كبير من تخصيص المحتوى، وهو عامل يرتبط مباشرة بزيادة معدلات التفاعل وتحسين الاحتفاظ بالمستخدمين. وبالنسبة للمؤسسات الإعلامية العربية، تمثل هذه المؤشرات فرصة عملية لتعويض محدودية الأسواق الإعلانية التقليدية عبر تحسين استهداف الجمهور وتعظيم القيمة الاقتصادية لكل مستخدم.
إعادة هيكلة التكاليف
تشير البيانات أيضاً إلى أن 60% من المؤسسات الإعلامية تعتمد منصات سحابية لتخزين وتوزيع المحتوى، ما أدى إلى إعادة هيكلة جوهرية في هيكل التكاليف. هذا التحول يقلل الحاجة إلى استثمارات رأسمالية مرتفعة في مراكز بيانات محلية، ويحوّل جزءاً كبيراً من التكاليف الثابتة إلى تكاليف تشغيلية مرنة، وهو ما يحسن إدارة التدفقات النقدية ويخفض المخاطر التشغيلية.
كما تتيح الحوسبة السحابية تكاملاً أسرع مع أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة، وتدعم العمل عبر منصات متعددة، وهو ما يعزز كفاءة سلسلة القيمة الإعلامية من الإنتاج إلى التوزيع، ويمنح المؤسسات العربية قدرة أكبر على التوسع الإقليمي.
تحول مؤسسي داخل غرف الأخبار العربية
إلى جانب الاستثمار التقني، يفرض التحول الرقمي إعادة هيكلة داخلية تطال الثقافة التنظيمية داخل غرف الأخبار العربية. فالانتقال إلى بيئات رقمية مرنة يتطلب تغيير أنماط اتخاذ القرار، وتعزيز التعاون بين الفرق التحريرية والتقنية، واعتماد ممارسات عمل قائمة على البيانات. وينعكس هذا التحول المؤسسي مباشرة على الإنتاجية، إذ يقلل الفجوة بين التخطيط والتنفيذ، ويحسن استثمار رأس المال البشري، ويخفض الهدر الزمني.
اقتصادياً، يمثل هذا البعد الثقافي أصلاً غير ملموس لكنه مؤثر في العائد على الاستثمار، حيث ترتبط قدرة المؤسسة على التكيف الداخلي بقدرتها على الاستجابة لتغيرات السوق وبناء نماذج أعمال أكثر مرونة واستدامة.
صناديق الثروة السيادية.. لاعب مؤثر في صناعة الإعلام العالمية
نماذج الإيرادات وبناء الاستدامة المالية
تعكس مؤشرات الأداء المالي تحولاً واضحاً في مزيج الإيرادات داخل صناعة الإعلام. فوفق البيانات، تأتي 35% من إيرادات الإعلام الرقمي حالياً من الاشتراكات والنماذج المدفوعة، في مقابل تراجع الاعتماد الأحادي على الإعلانات. ويرتبط هذا التحول ببناء علاقة طويلة الأمد مع الجمهور، ترتكز على القيمة المتصورة للمحتوى وجودته.
في الوقت نفسه، أظهرت البيانات أن 58% من الشركات الإعلامية سجلت زيادة في التفاعل الجماهيري بعد تبني استراتيجيات «الرقمي أولاً»، كمؤشر اقتصادي مباشر يرتبط بتحسن معدلات الاحتفاظ بالمستخدمين وزيادة قيمة الاشتراكات وجاذبية المنصات الرقمية للمعلنين، وهو مسار بدأت المؤسسات العربية في تبنيه بوتيرة متسارعة.
الاستقلالية التحريرية
في بيئة تعتمد على البيانات والأنظمة الذكية، تبرز الحوكمة الرقمية كعامل قيمة استثمارية. فلم تعد الاستقلالية التحريرية مبدأً مهنياً فحسب، بل أصلاً اقتصادياً يؤثر في ثقة الجمهور وقوة العلامة الإعلامية. لذلك اتجهت مؤسسات إعلامية عربية إلى اعتماد نماذج حوكمة تدمج الأمن السيبراني، وحماية البيانات، والشفافية التشغيلية ضمن إطار واحد لإدارة المخاطر.
كما تقلل تقنيات مثل التشفير، والمصادقة متعددة العوامل، المخاطر، وتسهم في استقرار الأداء المالي على المدى الطويل.
البنية الرقمية في المنطقة
ضمن هذا الإطار العالمي، تبرز منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوصفها إحدى أكثر المناطق استعداداً للاستفادة من التحول الرقمي. إذ تشهد دول الخليج استثمارات متزايدة في مراكز بيانات ضخمة بقدرات تصل إلى 50 ميغاواط، ما يوفر بيئة رقمية تنافسية للإعلام الرقمي من حيث سرعة الوصول، وخفض تكاليف الاستضافة، وتحسين موثوقية الخدمات.
وتقلل هذه المشاريع المخاطر التشغيلية، وتزيد من قابلية التوسع الإقليمي، وتعزز جاذبية الاستثمار في المحتوى الرقمي المحلي، في وقت يتزايد فيه الطلب على محتوى عربي عالي الجودة وقادر على المنافسة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
