رمال السيليكا.. استغلال "خجول" لثروة وطنية ومطالب باستثمار مستدام

أحمد الرواشدة العقبة- تمتلك مناطق عدة تمتد بين محافظتي معان والعقبة، احتياطيا ضخما من رمال السيليكا يقدر بعشرات مليارات الأطنان، وفق دراسات رسمية، إلا أن استغلال هذه الثروة ما يزال محدودا ويقتصر في معظمه على التصدير الخام بأسعار متدنية، رغم استخدامها في صناعات إستراتيجية متقدمة حول العالم.

ويثير هذا الواقع تساؤلات حول جدوى السياسات الاستثمارية والتعدينية المتبعة، في ظل الحاجة الملحة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة.

ورغم هذا الثراء الطبيعي، يرى خبراء أن "هذه الثروة ما تزال تدور في فلك الاستغلال الخجول، وتواجه بيروقراطية الفرص الضائعة"، متسائلين في الوقت ذاته "إلى متى ستبقى مليارات الدنانير مدفونة تحت أقدامنا، فيما يبحث الاقتصاد الوطني عن طوق نجاة؟".

وأضافوا "أن الحديث عن رمال السيليكا في الأردن، وتحديدا في منطقة الحميمة وما حولها، هو حديث عن أمن اقتصادي وإستراتيجي لم يفعل بالشكل الذي يليق بحجم الاحتياطي الهائل"، لافتين إلى أن "الأرقام الرسمية والدراسات المعمقة التي أجرتها وزارة الطاقة والثروة المعدنية وسلطة المصادر الطبيعية، أظهرت أن الأردن يملك مخزونا يقدر بنحو 12 مليار طن من رمال السيليكا، فيما تشير دراسات حديثة إلى أن الرقم قد تجاوز 22 مليار طن، وهي كميات تجعل المملكة واحدة من أهم الخزانات الإستراتيجية لهذه المادة على مستوى العالم".

واعتبر هؤلاء الخبراء أن "المفارقة المؤلمة تكمن في أن دولة تمتلك هذا المخزون الضخم ما تزال عائداتها من هذا القطاع محدودة للغاية، مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة الأميركية، التي تتجاوز إيراداتها من السيليكا إيرادات قطاع الفوسفات بأكمله، رغم أنها الأولى عالميا في هذا المجال، ما يفتح باب التساؤل حول جدوى السياسات التعدينية المتبعة على مدار العقود الماضية".

كما أكدوا "أن الاكتفاء بتصدير السيليكا كمادة خام بأسعار تتراوح بين 7 و10 دولارات للطن الواحد، يعد بمثابة جريمة اقتصادية غير معلنة، إذ إن القيمة الحقيقية لهذه المادة لا تتحقق ببيعها خاما، بل بتحويلها إلى منتجات صناعية متقدمة"، مشددين على أنه "هنا يبرز البعد الإستراتيجي الغائب؛ إذ تدخل هذه الرمال في صناعة أكثر من 255 منتجا حيويا، بدءا من الزجاج التقليدي ورمال السباكة، وصولا إلى الصناعات فائقة التطور مثل الدارات الإلكترونية المتكاملة، الألياف البصرية، زجاج البصريات، والتطبيقات الطبية والعلمية، وهي صناعات يمكن أن تقلب الموازين الاقتصادية وتحول الجنوب الأردني إلى (وادي سيليكون) حقيقي بدلا من كونه مجرد منجم مفتوح للتصدير الرخيص".

مناطق إستراتيجية وحيوية

ولفتوا إلى أن "هذه الثروة البيضاء تتركز بنقاوة تتعدى 99 % في مناطق إستراتيجية وحيوية، تشمل الحميمة، رأس النقب، قاع الديسي، وادي السيق، الراكيا، ومنطقة الجيشية التي لا تبعد سوى 6 كيلومترات إلى الشرق من ميناء العقبة، بالإضافة إلى مناطق البتراء"، مؤكدين "أن هذا التوزيع الجغرافي هو ميزة تنافسية لوجستية قل نظيرها في العالم".

ويقع هذا الخام على مرمى حجر من ميناء التصدير الوحيد للمملكة، ويحاذي المناطق التنموية الحاضنة للاستثمارات الثقيلة كمنطقة معان التنموية ومدينة القويرة الصناعية، ويستلقي بجانب الطرق الدولية المؤدية إلى العراق والمملكة العربية السعودية.

وبحسب ما ذكر لـ"الغد" مساعد رئيس جامعة الطفيلة التقنية لشؤون البحث والتطوير والصناعة الدكتور رياض علي الدويري، فإن "منطقة الحميمية في رأس النقب تمتلك رواسب استثنائية من الرمل الزجاجي عالي النقاء، حيث تصل نسبة السيليكا إلى 98 %، وتتميز هذه الرمال بكونها رواسب سطحية سهلة الاستغلال عبر التعدين المكشوف، مع احتوائها على شوائب أقل من الحديد والألومنيوم مقارنة بالرواسب الأخرى".

وأكد أنه "من الناحية الجيولوجية، يتواجد الرمل الزجاجي في تكوين رمل الديسي بسمك يصل إلى 300 متر، وتكوين رمل الكرنب الذي يتراوح سمكه بين 20 إلى 100 متر وهذه الخامات تنتشر في مواقع إستراتيجية عدة في جنوب الأردن، أهمها الحميمة، قاع الديسي، وادي السيق، وادي البتراء، والعقبة".

وأشار الدويري إلى "أن الميزة التنافسية الكبرى لمنطقة الحميمية تكمن في النقاء العالي، وسهولة المعالجة الفيزيائية، والقرب من البنية التحتية من طرق وموانئ، مما يجعلها مؤهلة للمنافسة العالمية"، مؤكدا أنه "وفقا للدراسات المتكررة منذ عام 1995، تقدر احتياطيات رمال السيليكا في جنوب الأردن بعشرات مليارات الأطنان، ونحن أمام ثروة طائلة قادرة على إمداد الصناعات المحلية والتصدير لعقود طويلة".

كما بين "أن هذه الاحتياطيات الضخمة تضع الأردن في موقع إستراتيجي عالمي، خصوصا مع التوجه العالمي نحو الطاقة الخضراء والبديلة التي تعتمد بشكل أساسي على عنصر السيليكون. فالمطلوب فقط هو خطة استثمار مستدامة وبنية تحتية مناسبة لتحويل هذه الثروة إلى واقع اقتصادي".

وأضاف "تستخدم رمال السيليكا الأردنية تدخل في العديد من الصناعات بعد معالجة فيزيائية بسيطة، منها: صناعة الزجاج العادي والمسطح، صناعة السباكة، المواد الكاشطة، فلاتر المياه ومعالجتها، وصناعات البناء والتطبيقات البيئية، أما المنتجات عالية النقاوة التي تصل إلى 99.9 % فيمكن استخدامها في صناعات إستراتيجية كزجاج البصريات، الألياف الضوئية، والخلايا الشمسية وهذه الصناعات تحتاج إلى تقنيات معالجة كيميائية متقدمة لم تنفذ على نطاق صناعي في الأردن بعد، لكنها تمثل فرصة واعدة للمستقبل".

غياب الدراسات المعمقة

وقال الدويري "للأسف، لا توجد حتى الآن دراسات علمية معمقة حول إمكانية استخدام الرمل الزجاجي الأردني في الصناعات المتطورة، لا سيما صناعة الخلايا الشمسية، لكن بناء على دراساتي، يمكن بالتأكيد تطوير منتج عالي الجودة من هذه الخامات يلبي متطلبات الصناعات العالمية"، مؤكدا "أن التحديات التقنية محدودة نسبيا، فرمال السيليكا تستخرج حاليا للاستخدامات المحلية البسيطة كمواد البناء، وهذا أقل أنواع الاستثمار قيمة لهذه الثروة وأن التحدي الحقيقي يكمن في التكلفة الأولية للاستثمار في مصانع معالجة متقدمة، وإزالة الشوائب الدقيقة للوصول إلى درجات نقاء عالية جدا".

وأشار كذلك، إلى "أننا بحاجة إلى تقنيات فصل متقدمة كالفصل المغناطيسي والغسيل الدقيق، بالإضافة إلى كميات كبيرة من المياه والطاقة وهذه العوامل تتطلب رؤية استثمارية استراتيجية طويلة المدى"، لافتا إلى أن "موقع الحميمة في رأس النقب يمنح ميزة تنافسية استثنائية، إذ تقع المنطقة الطريق الصحراوي، خط سكة الحديد، وميناء العقبة، ما يقلل تكاليف النقل والتصدير بشكل كبير، وهذا القرب من البنية التحتية يعزز من إمكانية المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية".

وحول خطوات التطوير، بين الدويري "أن الانتقال من مرحلة الدراسات إلى الاستثمار الفعلي يتطلب منهجية علمية واضحة تبدأ من مسح جيولوجي حديث وتقييم احتياطي مفصل، دراسات مختبرية معمقة، إنشاء نماذج أولية لمعالجة السيليكا، دراسات جدوى اقتصادية مقنعة للمستثمرين، دراسة السوق المحلي والإقليمي، تشريعات واضحة ومحفزة، واستقطاب شراكات مع شركات عالمية ذات خبرة".

وبحسب الدويري، فإن "التأخر في الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يعود لمزيج من الأسباب، منها أسباب فنية، حيث نحتاج إلى تكنولوجيا ومعالجة متقدمة للوصول إلى تطبيقات عالية القيمة، وأسباب إدارية، ذلك أن هناك بطئا في تنفيذ سياسات تشجع الاستثمار الحقيقي في التعدين والمعالجة، أما استثماريا، فكثير من المستثمرين لا يفضلون قطاع التعدين، مما يؤدي إلى نقص في رأس المال والخبرة اللازمة لبناء مصانع متقدمة".

وأوصى بـ"إجراءات عاجلة لا سيما تسريع إعداد خارطة جيولوجية حديثة وتقييم احتياطي دقيق، إعداد دراسات جدوى اقتصادية جاذبة للمستثمرين، خلق حوافز استثمارية وجذب شركاء دوليين متخصصين في تقنيات المعالجة العالية، تطوير البنية التحتية للطاقة والمياه حول مواقع العمل، دعم الأبحاث العلمية على دراسات السيليكا عالية النقاء، ووضع خطة صناعية وطنية شاملة لنقل هذه الثروة إلى مراحل تصنيع عالية القيمة".

خصائص جيولوجية استثنائية

من جانبها، تشير أستاذ الجيولوجيا التطبيقية (الصخور الرسوبية) الدكتورة بيتي السقرات إلى "أن أهمية رمال السيليكا في الأردن لا تقتصر على البعد المحلي فحسب، بل تمتد لتشمل الإقليم والأسواق العالمية، نظرا لخصائصها الجيولوجية والنوعية الاستثنائية، إذ تعود هذه الرمال إلى تكوينات جيولوجية معروفة، وهي تكوينات تتميز بامتدادات سميكة تصل في بعض المناطق إلى أكثر من 300 متر، وتغطي مساحات جغرافية واسعة".

وبينت السقرات "أن الأهمية الجوهرية لرمال السيليكا الأردنية تكمن في درجة نقاوة السيليكا وجودتها العالية، حيث تتراوح نسبة السيليكا فيها بين 97 % و99 %، مع انخفاض كبير في نسب الشوائب التي لا تتجاوز في معظم الحالات 0.1 %، كما أن وجود أكسيد الألمنيوم وبعض المعادن الثقيلة يبقى محدودا جدا ولا يؤثر على جودتها الصناعية، ما يجعلها مثالية للصناعات الزجاجية المتقدمة".

وأضافت "يميز هذه الرمال عن غيرها في الأردن تجانس حجم الحبيبات، وعدم حاجتها إلى عمليات طحن أو تنعيم معقدة، إلى جانب خضوعها لعمليات معالجة مدروسة ترفع نقاوتها إلى أكثر من 99 %، كما أن وجودها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 20 دقيقة
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
خبرني منذ 19 ساعة
خبرني منذ 14 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 9 ساعات
خبرني منذ 17 ساعة
خبرني منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 18 ساعة
قناة المملكة منذ 10 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة