ليس من المُستغرَب أنْ ينتقلَ الكاتبُ من موضوع إلى آخرَ مختلف، أو حتَّى مُتناقض تمامًا مع ما طرحه سابقًا؛ ففي هذا التَّباين تظهر إنسانيَّة الكاتب وتفاعله العميق مع الأحداث المُحيطة به من كل جانب. الكتابة، في جوهرها، انعكاسٌ مباشرٌ لتناقضات الحياة التي تدفع الجميع -وليس الكُتَّاب فقط- إلى تقلُّبات كبيرة في المشاعر. ولكنْ لأنَّ الكاتب واعٍ بهذا التَّناقض، ويشعر بثقل ما يمرُّ به، فإنَّه يستطيعُ أنْ يفرِّغ تلك المشاعر المتضاربة في صورة كتابة، سواء أكانت مقالةً، أو قصةً قصيرةً، أو روايةً، أو حتَّى قصيدةً. بذلك، يخفِّف عن قلبه المُثقل بالجراح وطأة هذه الحالات المُتداخلة، التي يجد نفسه فيها دون إرادة منه.
لهذا السَّبب، لا عجبَ أنْ أتناولَ في مقال سابق موضوع الحُبِّ، ثمَّ أتبعه في الأسبوع التالي بمقالٍ عن الموت، ذلك الغائب الحاضر بقوَّة، الذي ينتزعنا فجأةً من أعماق الطمأنينة والأمان.
كثيرًا ما يتجاور الحُزن والفَرح في حياتنا: فقد نجد أنفسنا في عزاء أحد الأصدقاء، ثمَّ نُضطر لحضور حفل زفاف لصديقٍ آخرَ، فنشعر بثقل الانتقال السَّريع بين حالتَين متناقضتَين، وكأنَّنا نُجبِر مشاعرنا على التحوُّل بشكلٍ مفاجئٍ وخاطفٍ.
ربَّما تكمن صعوبة هذا التحوُّل بالنسبة لي، في أنَّ جراحي لا تزال نازفةً؛ فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، لم تلتئم هذه الجراح، بل تتجدَّد مع كلِّ حزنِ يمرُّ به الآخرُونَ. أعيشُ ذات الألم، عندما أرى الحزن يغلِّف عيون ذوي الرَّاحلين، أو الألم المكبوت في صدور الأُمَّهات المكلومات، أو الأبناء الذين فقدُوا أحدَ والديِهم، خصوصًا إذا كان الفَقْدُ فجائيًّا؛ بسبب حادث سيرٍ. وعندما يخطف الموت زهرة يانعة، يتحول الألم إلى ركام أسود، ونصل حاد يمزق القلوب، ويعيد فتح الجراح القديمة، أو يحدث جراحًا جديدة.
في تلك اللَّحظات، تعجزُ الكلماتُ عن التَّعبير، فلا تجد ما تقوله أو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة
