لم يعد التعليم فى القرن الحادى والعشرين مجرد نقل معرفة، بل أصبح فعلًا أخلاقيًّا وحضاريًّا، يُقاس بقدرته على احتواء الإنسان كما هو، لا كما نريده أن يكون. ومن هنا برز مفهوم الدَّمج فى التعليم بوصفه تعبيرًا عن تطور الوعى التربوى، وانتقال المدرسة من مؤسسة انتقائيَّة تُقصِى المختلف، إلى فضاء إنسانى يعترفُ بالتنوُّع ويحوِّله إلى قيمة مضافة.
لم تُقَس حضارةٌ يومًا بارتفاع مبانيها أو تطور أدواتها، بقدر ما قيسَت بقدرتها على احتضانِ الأضعف فيها، والاعتراف بالاختلاف، بوصفه مكوِّنًا أصيلًا من مكوِّنات الوجود الإنسانى. فالمجتمعات التى تخشى التنوُّع، تميل بطبيعتها إلى الإقصاء، بينما المجتمعات الواثقة من ذاتها تُحوِّل الاختلافَ إلى مصدر ثراء لا تهديد.
من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى التعليم باعتباره نظامًا محايدًا لنقل المعرفة، بل هو فى جوهره مرآة لرؤيَة المجتمع للإنسان: هل نراه قيمة فى ذاته، أم مشروعًا قابلًا للفرز والتصنيف؟ هل نقبل الإنسان كما هو، أم فقط حين يشبه النموذج الذى رسمناه مسبقًا؟
هنا يبرز مفهوم الدَّمج فى التعليم، لا كشعار إنسانى عاطفى، بل كاختبار حضارى حقيقى لمدى نضج الوعى الاجتماعى والتربوى. فالدَّمج ليس مجرد سياسة تعليمية، إنه إعلان ضمنى عن نوع المجتمع الذى نريد بناءه: أهو مجتمع يتَّسع للجميع، أم منظومة تنتقى «الصالـح» وتُقصى من لا ينسجم مع إيقاعها السريع؟.
أولًا: ما هو الدَّمج؟
الدَّمج فى جوهره ليس إجراءً إداريًّا، ولا قرارًا وزاريًّا، بل فلسفة تربويَّة ترى أن الاختلاف بين المتعلمين أمر طبيعى، وأن المدرسة مسؤولة عن تكييف نفسها مع هذا الاختلاف، لا العكس. فالطالب، أيًّا كانت قدراته أو إعاقته أو صعوباته، له الحق فى أن يتعلم داخل بيئة تعليميَّة مشتركة، تحترم إنسانيته، وتدعمه بما يحتاجه؛ ليصل إلى أقصى ما تسمح به إمكاناته.
الدَّمج هنا لا يعنى مساواة شكلية، بل عدالةً تعليميةً: أن يحصل كلُّ متعلم على ما يناسبه، لا على ما يُفرَض عليه.
ثانيًا: البعد الإنسانى والتربوى للدَّمج:
الدَّمج الحقيقى يحقق مكاسب متعددة:
للطفل المُدمَج: يُرسخ الشعور بالانتماء، ويمنع الوصم والعزلة، ويُعزز الثقة بالنفس.
للطلاب الآخرين: ينمِّى التعاطف، ويكسر الصور النمطية، ويُعلِّم قبول الاختلاف، بوصفه جزءًا من الحياة.
للمجتمع: يخلق أجيالًا أقل عدوانيةً، وأكثر استعدادًا للتعايش والتكامل.
من هذا المنظور، يصبح الدَّمج مشروعًا أخلاقيًّا، بقدر ما هو مشروع تعليمى.
ثالثًا: أخطاء الدَّمج فى الواقع العربى:
رغم تبنِّى معظم الدول العربيَّة مفهومَ الدَّمج على مستوى الخطاب، فإن التطبيق العملى يكشف عن أخطاء بنيويَّة خطيرة، من أهمها: تحويل الدَّمج إلى إجراء شكلى.
فى كثير من الحالات، يُنقَل الطالب إلى فصل عادى دون: تعديل مناهج أو تدريب معلمين، مع غياب أدوات تقييم مناسِبة، فيتحول الدَّمج من حق إنسانى إلى عبء نفسى وتعليمى، على الطفل والمعلِّم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم


