إذا كانت السياسة تخترق كل شيء، وتحرك كل شيء في حياتنا بما في ذلك مأكلنا ومشربنا اليومي، فإن مباريات الكرة والمنافسات الرياضية ليست خارج هذا الاعتبار. ففي المغرب وبمناسبة "الكان" أي "كأس إفريقيا للأمم" تلتقي الكرة والسياسة بالنسبة للدولة عند تحويل التظاهرة الرياضية إلى أداة قوة ناعمة تُبرز الاستقرار والقدرة التنظيمية للمملكة في محيط إفريقي متقلب.إن استضافة البطولة ليست حدثًا رياضيًا محضًا، بل ترمي من خلالها الدولة إلى بعث رسالة سياسية تؤكد موقع المغرب كفاعل محوري في إفريقيا، قادر على جمع المنتخبات والشعوب حول منافسة سلمية، خاصة بعد مضي 30 عاما غاب فيها المغرب عن إفريقيا أيام مغادرته لـ"منظمة الوحدة الإفريقية". ويمكن القول إنه اليوم يعود إلى "الاتحاد الإفريقي" بقوة، ليس اقتصاديا وسياسيا فقط، بل رياضيا أيضا، حيث يُستثمر "الكان" لتعزيز الدبلوماسية الرياضية، كما يوفر فرصة لتعزيز شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية، عبر استقبال وفود رسمية وشعبية من مختلف الدول الإفريقية، بما يرسخ منطق التعاون بدل منطق التنافس أو الصراع. كما أن البنيات التحتية المرتبطة بالملاعب، والنقل والسياحة، والخدمات، لا تستجيب فقط للحدث الآني، بل تشكل استثمارًا طويل الأمد يعزز جاذبية المغرب الاقتصادية داخل القارة. وإلى جانب هذا فالحضور المكثف لرجال أعمال ومستثمرين أفارقة يفتح آفاقًا جديدة للشراكات الاقتصادية، خصوصًا في مجالات الأبناك، الطاقات المتجددة، الفلاحة، والصناعات الغذائية، وهي قطاعات راكم فيها المغرب تجربة معتبرة في التعاون الإفريقي.وفي الجانب الثقافي والهوياتي، يطمح تنظيم "الكان" إلى تكريس عمق الانتماء الإفريقي في الوعي الجماعي المغربي، الذي ظل لعقود طويلة ممزقا بين مركزين، الشرق الأوسط وأوروبا (فرنسا خاصة).في المقابل، تحضر السياسة أيضًا عبر القضايا الرمزية والهويات والشعارات، وحساسية العلاقات بين بعض الدول المشاركة. وهكذا تصبح الملاعب فضاءً للتنافس الرياضي، لكن أيضًا مسرحًا لإعادة ترتيب الصور والتمثلات السياسية والتعبير عن المواقف لكن دائما من خلال وقائع وأحداث الكرة، فندم الإعلان عن ضربة جزاء من طرف الحكم يصبح حدثا سياسيا يعني أن المغرب يحاول الهيمنة على تفاصيل المنافسات لصالحه.وتظهر الإسقاطات السياسية للمشاكل الإقليمية بوضوح في بعض مباريات "الكان"، حيث تتحول المواجهات الكروية إلى امتداد رمزي لصراعات سياسية عالقة، كما هو الحال في التوتر المغربي - الجزائري. ففي هذه المباريات يُحمَّل اللاعبون والجماهير ما لا تحتمله الكرة، وتُستدعى خطابات وطنية حادة، وشعارات تتجاوز الرياضة إلى التعبئة السياسية والهوياتية. كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في تضخيم هذه الإسقاطات، عبر تأجيج مشاعر الاحتقان وتدوير سرديات سياسية قديمة في قالب رياضي. وبدلا من أن تكون المباراة مناسبة للتقارب الشعبي، تتحول أحيانًا إلى مرآة للأزمة السياسية، بما يكشف حدود الفصل بين الرياضة والسياسة في السياقات الإقليمية المتوترة، ومن مظاهر ذلك بحث بعض المواطنين عن العيوب التنظيمية بهدف التنقيص من قيمة الدورة الرياضية.ويلاحظ بالنسبة لجماهير البلدان المغاربية والشمال إفريقية تشجيع بعضها لفرق منطقتها ضد فرق إفريقيا جنوب الصحراء، بينما تميل بعض الجماهير المغاربية إلى معاكسة التيار وتشجيع الفريق الخصم في تعبير واضح عن حسابات غير رياضية، لكنها ترتبط ارتباطا وثيقا بحلبة الصراع السياسي بالمنطقة.لكن بالمقابل، تعبر الجماهير الإفريقية التي حجّت إلى ملاعب المغرب عن هويتها الثقافية من خلال الألوان واللباس والعزف الموسيقي والشعارات، وتبعث برسائل هامة تتطلع إلى الإخاء والتبادل والتضامن الإفريقي، مما يجعل اللقاءات الرياضية فرصة رمزية وثقافية لإعادة طرح سؤال الهوية الإفريقية للبلدان والشعوب المشاركة، ليس كشعار سياسي، بل كمعطى تاريخي وحضاري وإنساني، حيث لا يقتصر وعي الجماهير بإفريقيتها على متابعة المباريات أو تشجيع المنتخبات، بل يفترض معرفة أعمق بتاريخ القارة، بتنوعها الثقافي، وبالتحديات المشتركة التي تواجه شعوبها.وهكذا يمكن للحدث الرياضي أن يلعب دورًا تربويًا وإعلاميًا إذا ما تمت مواكبته بنقاشات فكرية وثقافية، وبرامج إعلامية تعرف بالمجتمعات الإفريقية وتبرز القواسم المشتركة بينها وبين المجتمع المغربي، عوض السماح بانفلات المشاعر السلبية وغلبة الخلافات على الروابط القارية.۔
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
