أذكر أنني كنتُ أمدح أمامها زميل عمل، فبادرتني بردّ هادئ لكنه قاطع.. نسيتي أو تناسيتي ما فعله بفلان؟ الأخلاق لا تتجزأ يا عزيزتي، لا يمكنك أن تكون منصفًا في موقف، وجاحدًا في آخر . بدت جملة عابرة، لكنها استقرّت في أذني كحلقةٍ لا تسقط، حلقة وعلّقتها بوداني ، على قول إخوتنا المصريين. ومنذ ذلك اليوم، صارت هذه العبارة تعود إليّ كلما تورّطتُ في حكمٍ سريع على الأشخاص، حكم تصنعه لحظة واحدة، ثم لا تلبث الأيام أن تهدمه بمواقف أخرى تكشف الصورة كاملة. وكأن صديقتي يومها كانت تعيدني دون أن تدري إلى ما قاله الأديب طه حسين: الأخلاق لا تُؤخذ أجزاءً، فمن قبل منها شيئًا وردّ شيئًا، لم يأخذها حقًا . فالأخلاق، في حقيقتها، ليست سلوكًا انتقائيًا، ولا قناعًا نرتديه عند الرغبة ونخلعه بحسب الشخص المقابل أو بحسب موقف معين، فالإنسان إما أن يكون خلوقًا في مجمل تصرّفاته. في رضاه وغضبه، في قوته وضعفه، أو أن أخلاقه ليست سوى ردّ فعلٍ مؤقت، لا مبدأ راسخًا.
الأخلاق منظومة واحدة متكاملة: الإنصاف لا ينفصل عن الصدق، والمروءة لا تقوم دون الرحمة، والنبل لا يكتمل بغير كرم النفس وطيب المعشر. ولهذا قال الفارابي بوضوح لا يحتمل التأويل: الفضيلة لا تقبل القسمة، فإما أن تكون نفسًا فاضلة أو لا تكون .
كم مرة صُدمنا من ردّة فعل شخصٍ ظننّاه مختلفًا؟ كنا نصفه بالنبل والإنصاف، حتى وقفنا مذهولين أمامه نردد لم أتوقعها منك! ، على الرغم من كل المواقف والدروس التي علمتنا ألا نرفع سقف توقعاتنا أو كما يقول المثل الشعبي ما حدا على راسه خيمة
ومع كل الإشارات التي ترسلها لنا الحياة بهدوء لتنذرنا.. نتجاهلها. بدافع الحب أو حسن الظن، نقنع أنفسنا أحيانًا أن ما شاهدناه من سوء خلق استثناء، أو لحظة غضب، لكن الحقيقة أن المواقف لا تخلق الأخلاق، بل تكشفها.
تأخذنا لحظة العاطفة فننسى حكمة الأمهات البسيطة، التي اختزلت التجربة الإنسانية بعبارة واحدة: اللي حكى لك عنهم، بكرة يحكي عليك .
أذكر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة البلاد البحرينية
