تشهد إيران تصعيدًا غير مسبوق في الاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ أيام، بالتزامن مع انقطاع شامل للإنترنت وخدمات الاتصالات في معظم أنحاء البلاد، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لاحتواء الغضب المتزايد ومنع تسرب المعلومات إلى الخارج، مع اتساع رقعة التظاهرات المناهضة للحكومة والنظام الحاكم.
وأفاد شهود عيان بأن شوارع طهران ومدن كبرى أخرى امتلأت بآلاف المتظاهرين الذين رددوا شعارات سياسية مباشرة ضد النظام، في وقت تصاعدت فيه حالة السخط العام بسبب التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وانهيار قيمة العملة، إلى جانب القبضة الأمنية المشددة.
انقطاع الاتصالات بالتزامن مع توسع الاحتجاجات مع بدء الاحتجاجات الواسعة مساء الخميس، أقدمت السلطات الإيرانية على قطع الإنترنت وخطوط الهاتف المحمول في العاصمة وعدد كبير من المدن، في إجراء تكرر سابقًا خلال موجات احتجاجية مشابهة. ورغم التعتيم الرقمي، تمكن متظاهرون من نشر مقاطع مصورة تُظهر تجمعات ضخمة، وإغلاق طرق رئيسية، واندلاع حرائق في بعض الشوارع.
وأوضح مدير منظمة مراقبة الإنترنت العالمية NetBlocks أن التعتيم الشامل يُستخدم عادة قبيل أو أثناء التصعيد الأمني، بهدف تقليص قدرة المحتجين على التنسيق، ومنع توثيق الانتهاكات، والحد من الرقابة الدولية على ما يجري داخل البلاد.
ولم تقتصر الاحتجاجات على طهران، بل امتدت إلى أكثر من 100 مدينة، من إيلام غربًا قرب الحدود العراقية، إلى مشهد شمال شرق البلاد، مرورًا بمحافظات كردية وشمالية ووسطى. وأظهرت مشاهد مصورة خروج حشود كبيرة في مناطق تعاني من الفقر والتهميش، وسط هتافات تطالب بإسقاط النظام وإنهاء حكم المرشد الأعلى. وبحسب منظمات حقوقية، قوبلت التظاهرات باستخدام القوة المفرطة، شملت إطلاق النار واعتقالات جماعية، دون إعلان رسمي عن حلول سياسية أو اقتصادية لمعالجة أسباب الغضب الشعبي.
حصيلة بشرية متصاعدة واعتقالات واسعة أعلنت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية، ومقرها النرويج، أن عدد القتلى منذ اندلاع الاحتجاجات بلغ ما لا يقل عن 45 شخصًا، بينهم أطفال، إضافة إلى مئات الجرحى، وأكثر من ألفي معتقل. ولم يصدر عن السلطات الإيرانية إحصاء رسمي شامل، فيما اكتفت وسائل الإعلام الرسمية بالإشارة إلى "اضطرابات محدودة" وسقوط ضحايا دون أرقام دقيقة.
وأكدت المنظمة أن القوات الأمنية استخدمت الذخيرة الحية في بعض المدن، ونفذت حملات دهم واعتقال طالت مصابين نُقلوا إلى المستشفيات، في حوادث أثارت إدانات حقوقية واسعة. وبالتزامن مع الاحتجاجات، استجاب بعض المتظاهرين لدعوات أطلقها ولي العهد السابق رضا بهلوي، الذي يقيم في المنفى، وحث الإيرانيين على النزول إلى الشارع "كجبهة موحدة". ورددت الحشود شعارات تحمل بعدًا سياسيًا واضحًا، في مؤشر على تحول الاحتجاجات من مطالب اقتصادية إلى تحدٍ مباشر لشرعية النظام.
وأظهرت مقاطع مصورة تم تداولها إحراق مركبات، وتخريب منشآت عامة، وتحطيم مداخل محطات مترو، إلى جانب مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن. كما تحدثت السلطات عن استهداف بنوك ومساجد ومبانٍ حكومية، بينما لم تتمكن جهات مستقلة من التحقق من حجم الأضرار بشكل دقيق.
ودفعت التطورات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تجديد تهديده بتوجيه ضربة لإيران في حال قُتل متظاهرون على يد القوات الأمنية. وقال في تصريحات إعلامية إن بلاده "لن تقف مكتوفة الأيدي" إذا استُخدم القتل لقمع الاحتجاجات. في المقابل، رد المرشد الأعلى علي خامنئي بدعوة ترامب إلى "الانشغال بمشاكل بلاده"، في خطاب متلفز، من دون التطرق مباشرة إلى أسباب الاحتجاجات الداخلية.
جذور الأزمة بدأت شرارة الاحتجاجات من أسواق طهران وجامعاتها، بعد قرارات حكومية أدت إلى ارتفاع مفاجئ في أسعار السلع الأساسية، إثر إلغاء آلية مدعومة لتوفير الدولار لبعض المستوردين. ونتيجة لذلك، قفزت أسعار المواد الغذائية والأدوية، واختفت منتجات من الأسواق، ما دفع التجار إلى إغلاق محالهم. وتفاقمت الأزمة مع التضخم الحاد وتراجع القدرة الشرائية، حيث أكد سكان أن الأسعار تتغير خلال ساعات، وأن الدخل لم يعد يغطي أساسيات الحياة.
وفي محاولة لامتصاص الاحتقان، أعلنت الحكومة عن مساعدات نقدية محدودة للأسر، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن هذه الخطوة غير كافية لمعالجة الأزمة. وقال الرئيس مسعود بيزشكيان إن الحكومة "لا تستطيع مواجهة التحديات وحدها"، في اعتراف ضمني بعمق الأزمة. وبرزت محافظات مثل إيلام ولورستان ومازندران وجولستان كبؤر رئيسية للتوتر، حيث ردد المتظاهرون هتافات غير مسبوقة ضد المرشد الأعلى، وأحرقوا منشآت حكومية. وفي مشهد ومناطق أخرى، أظهرت مقاطع إسقاط العلم الإيراني وتمزيقه، في تصعيد رمزي لافت.
وذكرت وسائل إعلام رسمية أن مئات من عناصر الشرطة والباسيج أصيبوا خلال المواجهات، فيما أُعلن عن مقتل عدد من أفراد الأمن، بينهم عناصر من الحرس الثوري، دون تقديم تفاصيل إضافية.
لماذا تبدو هذه الاحتجاجات مختلفة؟ يرى مراقبون أن هذه الموجة تُعد الأكبر منذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022، لكنها تختلف في نقطة جوهرية وهو انطلاقها من "البازار الكبير"، الذي يُعد تاريخيًا حليفًا للنظام. ويشير ذلك إلى تصدع في القاعدة الاجتماعية التقليدية التي استندت إليها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها.
وتأتي الاحتجاجات في ظل ضغوط خارجية متزايدة، تشمل العقوبات والتهديدات العسكرية، إلى جانب أزمات داخلية متراكمة من فساد وسوء إدارة وتدهور بيئي واقتصادي. ويرى خبراء أن النظام يواجه أصعب اختبار داخلي منذ سنوات، رغم استبعاد حدوث تغيير فوري في الحكم لغياب قيادة موحدة للمعارضة.
ويؤكد مختصون أن الاعتماد المتزايد على القمع بدل الإصلاح يعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل الاحتجاجات مؤشرًا على أزمة بنيوية عميقة، حتى وإن لم تُفضِ إلى تغيير سياسي سريع.
هذا المحتوى مقدم من العلم
