اقتصاديات كأس الأمم الإفريقية

في صورة شهيرة في كأس الأمم الإفريقيةفي المغرب 2025، للمشجع الكونغولي الأسطوري ميشل كوكا، والذي يحاكي أسطورة بلاده السياسية الشهيرة «لومومبا»، حيث يظل المشجع واقفاً في صمت طوال المباراة.

لومومبا تم اغتياله على يد بلجيكا بطريقة لا توصف ولم يتبقَّ منه سوى سنٍّ من أسنانه، ولم يتم الاعتراف بذلك إلا بعد عقود، الرئيس جمال عبد الناصر وقتها أصدر أوامر مباشرة بحماية أسرته، وتم تهريبها إلى القاهرة عن طريق الفريق سعد الشاذلي.

«حين أسهمت الكرة في صناعة هوية القارة»

وبالنظر بشكل مبسط إلى القارة وتاريخ وتأثير كأس الأمم الإفريقية، نجد أن هذه البطولة ليست مجرد بطولة رياضية للقارة، بل مشروعاً متعدد التأثيرات، فالبداية كانت مع إطلاق البطولة عام 1959 كمشروع للمساعدة في حركة التحرر الوطني في القارة الإفريقية.

و كانت البطولة رداً عملياً على التهميش الإفريقي المتعمد في الساحة الرياضية الدولية، وأصبحت الملاعب رمزاً للسيادة الوطنية بعزف النشيد الوطني لكل دولة مشاركة تحت علمها الوطني.

والنماذج متعددة، مثل منتخب جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، والذي تكوَّن عام 1958 أثناء حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي وبمبادرة من جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، لم يكن الفريق معترفاً به دولياً، لكنه كان رمزاً للاستقلال الوطني، حيث ضم لاعبين محترفين في الدوري الفرنسي اختاروا تمثيل الجزائر بدلاً من اللعب لمنتخب فرنسا وكان هذا المنتخب هو النواة الحقيقية لتشكيل منتخب الجزائر بالشكل الحالي، وأبرز كوادره المهمة وعلى رأسها عبد الحميد كرمالي، الذي شارك مع المنتخب الجزائري في بطولات إفريقية لاحقة، وأصبح لاحقاً مدرباً وقاد الجزائر للفوز بكأس الأمم الإفريقية 1990.

قارة إفريقيا قارة كبيرة، فعدد دولها نحو 54 دولة بخلاف عدد من الكيانات الوهمية غير المعترف بها، ومن حيث المساحة، تبلغ مساحة قارة أوروبا نحو 10 ملايين كيلومتر مربع، بينما تبلغ مساحة قارة إفريقيا نحو 30 مليون كيلومتر مربع، وهذه المساحة الكبيرة تؤكد أهمية وتأثير البطولة.

وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد سكان القارة يبلغ نحو 1.5 مليار نسمة تقريباً، وأن الناتج المحلي الإجمالي بالقيمة الاسمية يقدر بنحو 2.5 إلى 2.8 تريليون دولار في عام 2024. وتسهم جنوب إفريقيا، ومصر، والجزائر، ونيجيريا، وإثيوبيا بأكثر من نصف هذه القيمة، وهذه الدول توجت بالبطولة 14 مرة من أصل 35 نسخة بنسبة 40% تقريباً، وتمتلك مصر نصف هذه الألقاب، وهو أمر قد يوضح العلاقة بين الاقتصاد والرياضة.

وبشكل عام، يمكن القول إن تنظيم البطولة يضيف بعداً مهماً لتطوير الكوادر البشرية، ولرفع كفاءة البنية التحتية في البلد المنظم، وتحقيق عوائد مالية من الاستضافة، بالإضافة إلى عوائد تسويقية وسياحية مهمة، وعلى جانب آخر، يُعد اللاعبون الأفارقة أصولاً مهمة لبلدانهم، فحين يحترف لاعب خارج بلده يصبح مورداً مهماً للنقد الأجنبي باعتباره أحد العاملين بالخارج.

وعلى جانب آخر، يربح النادي كمؤسسة وطنية أموالاً يمكن ضخها في بنية تحتية أو استثمارات، إلى جانب أن بعض اللاعبين يسهمون في تقديم أعمال خيرية تسهم في تنمية مجتمعية حقيقية.

وفقاً لبعض التقديرات، تشير إلى وجود نحو 190 200 لاعب إفريقي محترف في أوروبا يشاركون في كأس الأمم الإفريقية 2025، من أصل نحو 660 لاعباً في جميع المنتخبات في نسخة المغرب 2025.

«معضلة تكاليف استضافة البطولة»

وتظل معضلة التكاليف المرتفعة هي العائق الأبرز في تنظيم البطولة، وتختلف تقديرات تكلفة تنظيم البطولة حسب الدولة وجاهزية البنية التحتية، ففي نسخة الغابون عام 2017، تشير بعض التقديرات الرسمية إلى أن البطولة تكلفت نحو 350 مليون دولار تقريباً، وهناك تقديرات أخرى تشير إلى تكلفة البطولة نحو 750 مليون دولار، وهي تكلفة كبيرة على اقتصاد دولة مثل الغابون.

وفي نسخة عام 2023، حصلت كوت ديفوار على قرض بقيمة 3.5 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لتمويل خطط التنمية والإعمار، خُصص منها مليار دولار لبناء ملاعب وتنظيم البطولة.

البطولة بشكلها الحالي مكونة من 24 منتخباً، وتُعد نموذجاً مصغراً من بطولة كأس العالم، ولذلك فإن تنظيم البطولة ليس بالأمر السهل، وخصوصاً مع هياكل اقتصاديات الدول الإفريقية، والتي تواجه العديد من الإشكاليات، فالقوة الشرائية للفرد ضعيفة في معظم دول القارة، بالإضافة إلى إشكالية الحوكمة في الاستفادة من المنشآت بعد التنظيم، والتي قد لا تكون في أفضل أحوالها.

«إيرادات البطولة التقديرية»

تشير الكثير من التقديرات إلى أن إجمالي الإيرادات قد تصل إلى نحو 195 مليون دولار تقريباً كحد أقصى، وتمثل حقوق البث قيمة تتراوح بين 40 و70 مليون دولار أميركي، ولا تحصل الدولة المضيفة إلا على ما بين 10% و20% بحد أقصى.

«الفيلة البيضاء»

هو مصطلح اقتصادي شائع لوصف المشاريع الكبيرة والمكلفة مثل الملاعب الرياضية، والتي تُبنى لاستضافة حدث كبير ثم تصبح غير مستخدمة أو قليلة الاستخدام بعد انتهائه، ما يؤدي إلى تكاليف صيانة عالية دون عائد يُذكر، ويمكن تطبيق هذه المعضلة على دول القارة الإفريقية، وإن كانت هناك استثناءات مثل مصر والمغرب وجنوب إفريقيا.

«مصفوفة الحوكمة الوطنية للأحداث الرياضية الكبرى»

ولحل هذه المعضلة، أعتقد أن على الحكومات أن تقوم بدراسة استضافة أي حدث رياضي وفقاً للأساليب العلمية، فمن وجهة نظري، فإن تقديم مصفوفة لتنظيم الأحداث الدولية، والتي تُقسَّم وفق الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية، بالإضافة إلى التحديات والتكلفة التي تواجه الدولة، مع حساب العوائد الاقتصادية، والتي غالباً لا تغطي تكاليف تجهيز البطولات الرياضية، يمكن تعويضها بتطوير البنية التحتية مثل الطرق والملاعب، بالإضافة إلى الخبرات التنظيمية، وكلها عوائد كبيرة تُضاف إلى الدولة حتى بعد انتهاء البطولة.

تُعد مصر الدولة الأكثر ريادة وتأثيراً في تاريخ كأس الأمم الإفريقية، ليس فقط من حيث عدد الألقاب، بل من حيث التأسيس، والاستمرارية، والرمزية القارية، وفي النهاية، فإن كأس الأمم الإفريقية ليست مجرد حدث رياضي، بل مشروعاً سيادياً تنموياً سياسياً، ولذلك فإن تنظيم البطولة كل أربع سنوات لا يخدم اقتصاديات الدول الإفريقية التي ترى في البطولة فرصة حقيقية لتطوير البنية التحتية من مؤسسات رياضية إلى مستشفيات إلى مواصلات، ومن هنا تدرك أن بطولة كأس الأمم الإفريقية ليست مجرد حدث.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 35 دقيقة
منذ 15 دقيقة
منذ 5 دقائق
منذ 24 دقيقة
منذ 33 دقيقة
منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 18 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ ساعتين