هذه محاولة لعرض معارف وتصورات جديدة في مفهوم السببية، فلسفيًا وفيزيائيًا، وتصحيح بعض المعلومات المغلوطة في تاريخ هذا المفهوم ووقائعه، وذلك في سلسلة من ثلاث مقالات، تزيد أو تنقص بحسب الحاجة.
السببية ووحدة العقل عند ديفيد هيوم
يعرف معظم المشتغلين بالشأن الثقافي اليوم في العالم أجمع مفهوم السببية على نحو مطلع وواف، وليس ثمة متخصص في الشأن الفلسفي لم يسمع بالفيلسوف الإنجليزي، ديفيد هيوم، David Hume (1711-1776)، وبقوله في مفهوم السببية؛ إذ يرجعه إلى العادة والتكرار والاطراد الذهني، وأنه ثمة جهل تام بحقيقة السببية، أو بتعليل العلة، وأننا -نحن البشر- ما تزال معرفتنا بالسبب والأثر والقدرة الموجبة للفعل ليست أكثر من معرفة حسية خارجية، أي شكلية تنحصر في: «تتالي حدثين»، ولا يتجاوز تعريفنا للسبب أن: «ندعوه الشيء المتبوع بآخر والذي ظهوره يقود الفكر دائمًا إلى ذلك الآخر» [مبحث في الفاهمة البشرية، ص ص107، 111].
وثمة من قال إن الفقيه الأصولي، أبا حامد الغزالي (1058-1111) كان له السبق إلى هذا القول في نفي مفهوم السببية من خلال نفي الحتمية السببية، وأنه سبق الفلاسفة المعاصرين، وهذا ما ذهب إليه محقق كتاب تهافت الفلاسفة [ص240-241].
وحقًا، فقد بدأ الغزالي المسألة السابعة عشرة من رده على الفلاسفة بقوله: «الاقتران بين ما يُعتقد بالعادة سببًا، وبين ما يعتقد مسببًا» [تهافت الفلاسفة، ص239]، وهو القول ذاته وبعبارته إجمالًا الذي قال به هيوم: «ليس لدينا على الإطلاق أي فكرة عن الاقتران، وهذه الألفاظ ليس لها أي دلالة على الإطلاق عندما نستعملها في التعليلات الفلسفية أو في الحياة العادية» [السابق، ص108].
ومفردات هيوم وأمثلته وطريقة مناقشته تبين أنه على اطلاع معمق بقول الغزالي ومذهبه، لم يسعَ هيوم إلى إنكار الأسبقية، سواء أكانت في أبحاث فلاسفة غربيين من أبناء عصره كجون لوك John Locke) (1632-1704)) -وقد ذكره تسمية- أم قبله من الفلاسفة الميتافيزيقيين والتجريبيين، من دون أن يسمي أحدًا أو ينص عليه؛ وهذا يخرجه من دائرة الاختلاس والسطو أو النكران، ولكنه لا ينفي عنه الاستفادة، والأهم التعمية المعرفية والإغفال المنهجي لجهود من سبقوه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
