الدور السعودي في منع الانهيار وتحصين الأمن القومي العربي

في إقليم تتآكل فيه قدرة الدولة الوطنية وتتحول فيه بعض البلدان إلى ساحات مفتوحة للصراع الأهلي والتدخلات الخارجية، لم يعد التحدي الاستراتيجي يتمثل في كيفية إعادة بناء الدول المنهارة بقدر ما يتمثل في منع انهيارها الكامل، بما يحول دون وقوع التفكك الداخلي وأن يتحول إلى تهديد بنيوي عابر للحدود. ضمن هذا السياق يتموضع الدور السعودي لا بوصفه إدارة تقنية للأزمات ولا كمسعى لفرض حلول نهائية أو نماذج سياسية جاهزة، بل بوصفه دورا تحصينيا وقائيا يستهدف حماية الأمن القومي العربي عبر كبح الانهيارات ومنع ارتداداتها الإقليمية الكارثية، ومن ثم مساعدة هذه الدول على النهوض من جديد.

اليمن والسودان والصومال تمثل نماذج متقاطعة لهشاشة بنيوية عميقة، حيث تآكل احتكار الدولة للعنف الشرعي، وتحولت المؤسسات إلى هياكل شكلية، وأصبحت السيادة الوطنية موضع تنازع بين فاعلين محليين وإقليميين ودوليين. هذه الساحات لا تشكل أزمات محلية معزولة بل نقاط ضعف جيوسياسية يتوقف عليها أمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي وتوازن الجزيرة العربية. انهيار أي منها لا يبقى حبيس الجغرافيا الوطنية بل يتحول إلى تهديد ممتد يشمل تهريب السلاح والجماعات المسلحة العابرة للحدود والقرصنة البحرية، وتمدد القوى الباحثة عن موطئ قدم في الفراغ والفوضى، وفي مقدمتها إسرائيل التي تسعى للنفاذ إلى هذه الفضاءات المفككة لتحويلها إلى أدوات في استراتيجيتها الإقليمية.

تنطلق المقاربة السعودية من فرضية مركزية واضحة: منع الانهيار الكامل شرط لا غنى عنه لتحصين الأمن القومي العربي. فالدولة الهشة مهما بلغت محدودية فاعليتها تظل أقل خطرا من الدولة المنهارة كليا، والكيان المتماسك نسبيا - وإن كان ضعيفا - أقل قابلية للتحول إلى منصة تهديد من الفراغ السياسي والأمني المطلق. بهذا المعنى لا تسعى السعودية إلى معالجة الهشاشة عبر إعادة هندسة البنى السياسية والاجتماعية للدول المأزومة، بل عبر منع وصولها إلى نقطة اللاعودة التي يتحول عندها الانهيار إلى تهديد شامل للمجال العربي. هذا التوجه يعكس وعيا استراتيجيا بأن الأمن القومي العربي لم يعد مجموعة من الأمنيات الوطنية المنفصلة، بل منظومة مترابطة ينعكس فيها انهيار أي حلقة على الحلقات الأخرى بشكل مباشر ومتسارع.

في الحالة اليمنية، شهد الدور السعودي تحولا جوهريا من منطق احتواء القوى المتحالفة بتناقضاتها وتباينات أهدافها نحو المعالجة الضرورة التي ينتج عنها مقاربة وقائية طويلة الأمد تستهدف منع انهيار الدولة اليمنية وتحديد وحدة الهدف. يتجلى هذا التحول بوضوح في ما جرى في حضرموت والمهرة، حيث عملت السعودية على استعادة مركزية القرار الأمني والعسكري بيد الشرعية عبر معالجة حصيفة ومتدرجة لحالة الانقسام التي شهدها الجنوب. هذه المعالجة لم تأت عبر الصدام أو الإقصاء بل من خلال تدخل دقيق يشبه عمل المشرط الجراحي، استهدف معالجة بؤر الانقسام وتوحيد القوى المتفرقة وإعادة توجيهها نحو هدف وطني جامع دون فتح جبهات داخلية جديدة. هذا النهج يعكس قدرة على التمييز بين إدارة التعقيد المحلي وبين الانجرار إلى صراعات جانبية تستنزف الجهد وتضعف المسار التحصيني الأوسع.

وقد أسفر هذا النهج عن بسط سيطرة قوات درع الوطن على كتلة جغرافية استراتيجية في المحافظات الشرقية، كانت تمثل إحدى أخطر نقاط الهشاشة والانكشاف. هذه الخطوة لم تكن إجراء أمنيا معزولا بل جزء من مقاربة تحصينية أوسع هدفت إلى منع نفاذ التدخلات الإقليمية المشجعة للانقسام، وإفشال محاولات تحويل التعدد المحلي إلى أداة تفكيك سياسي وأمني. بهذا المعنى لم يقتصر الدور السعودي على منع الانهيار بل تجاوز ذلك إلى تحصين مسار الدولة اليمنية من الداخل عبر إعادة ضبط ميزان القوى ومنع اختراقه من قبل أجندات تفكيكية سواء كانت إقليمية أو محلية. هذا التحصين الداخلي يمثل خطوة أساسية نحو إعادة بناء قدرة الدولة على احتكار العنف الشرعي وهو الشرط الأول لأي استقرار دائم. كما أن استعادة سيطرة الشرعية على المحافظات الاستراتيجية تمنع تحول اليمن إلى ممر مفتوح للتهديدات الموجهة نحو المملكة أو نحو الملاحة الدولية في البحر الأحمر وبحر العرب ومضيق باب المندب.

في السودان، يتمحور الدور السعودي حول منع انزلاق الدولة إلى انهيار شامل يقود إلى التقسيم ويفتح البحر الأحمر على سيناريوهات عسكرة وتدويل خطيرة. تنطلق الرياض من مبدأ واضح: لا شرعية للسلاح خارج إطار الدولة ولا أمن إقليمي دون جيش موحد ومؤسسات سيادية متماسكة. لهذا تبنت مسار الوساطة والدعوة للحوار السياسي، إدراكا منها أن الانخراط العسكري المباشر لن يعالج جوهر الأزمة بل قد يفاقمها. الموقف السعودي يقوم على رفض شرعنة الميليشيات ورفض تحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، مع التركيز على إعادة بناء الإجماع حول مركزية الدولة ومؤسساتها العسكرية والسياسية. غير أن محدودية نتائج محادثات جدة تعكس تعقيد المشهد، لا سيما في ظل تناقض المقاربات الخليجية، حيث تلعب أطراف إقليمية دورا ميدانيا يعمق الانقسام بدل احتوائه وتنحاز لطرف ميليشياوي على حساب الدولة الوطنية ومؤسساتها الرسمية. هذا التناقض يضعف الجهد السعودي ويجعل المسار السياسي أكثر صعوبة لكنه لا يلغي أهمية الموقف السعودي الذي يظل ممسكا بخط واضح: الدفاع عن الدولة السودانية ككيان موحد ورفض تفتيتها، وهذا ما بدأت نتائجه تظهر بوضوح مؤخرا. ولهذا يبقى الدور السعودي موجها نحو إعادة ضبط البوصلة ومنع تفكك السودان.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة مكة

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 10 ساعات
منذ ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 16 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 4 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 9 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 5 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 12 ساعة
قناة الإخبارية السعودية منذ 22 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 18 ساعة
صحيفة سبق منذ 7 ساعات