حين تحطمت مخططات الهيمنة الرقمية على أعتاب السيادة الإيرانية. بقلم سلام جاسم الطائي. رئيس مركز وطن للإعلام والدراسات الاستراتيجية

سلام جاسم الطائي

كاتب وباحث بالشأن السياسي

يشكّل الوعي والثبات العنوان الأبرز لتجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة ما يُعرف بحروب الجيل الخامس، حيث لم تعد الصراعات تُخاض عند الحدود الجغرافية التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاء السيبراني والكهرومغناطيسي، ليغدو الاستقلال الرقمي ركنًا أساسيًا من أركان السيادة الوطنية. فعلى امتداد أكثر من خمسة وأربعين عامًا من الحصار الاقتصادي، والاغتيالات، والضغوط السياسية، والحروب غير المباشرة، أثبتت الجمهورية الإسلامية قدرتها على الصمود والتكيّف، رافضة الخضوع للإملاءات الخارجية، ومتمسكة برؤية حضارية طويلة المدى

في هذا الإطار، برزت المواجهة الرقمية كأحد أخطر ميادين الصراع المعاصر، حيث سعت قوى دولية إلى توظيف التفوق التكنولوجي، ولا سيما في مجال الاتصالات الفضائية، كوسيلة لاختراق السيادة وفرض وقائع جديدة على الأرض. غير أن التجربة الإيرانية كشفت محدودية هذا التفوق، وأثبتت أن امتلاك المعرفة التقنية والقدرة على تطوير حلول محلية يمكن أن يحوّلا أدوات الضغط إلى نقاط ضعف. فقد مكّنت منظومات الحرب الإلكترونية التي طوّرتها إيران من تقليص فعالية أدوات الاتصال الفضائي، عبر التشويش والتزييف الإلكتروني وإرباك أنظمة التموضع، وهو ما عكس مستوى متقدمًا من الجاهزية وسرعة الاستجابة في ميدان بالغ الحساسية.

ولم يكن هذا الإنجاز نتاج ظرف طارئ أو ردّ فعل آني، بل ثمرة مسار تراكمي طويل من الاستثمار في الوعي الاستراتيجي، القائم على فهم طبيعة الحروب الهجينة وأدواتها واستباق تداعياتها، بالتوازي مع الثبات في بناء وتطوير البنية التحتية الدفاعية رغم القيود الاقتصادية القاسية. هذا التكامل بين الوعي والثبات أتاح للجمهورية الإسلامية بناء قدرات ذاتية في مجالات حيوية، وجعل من الاستقلال الرقمي جزءًا لا يتجزأ من عقيدتها الأمنية، باعتباره الضمان الحقيقي لحماية المجتمع من الاختراقات التقنية وما تحمله من آثار أمنية وثقافية واجتماعية.

وتزداد أهمية هذه التجربة عند التوقف عند بعدها السياسي والاستراتيجي الأوسع، والمتمثل في انتصار الجمهورية الإسلامية على مشروع الغطرسة الأميركية والإسرائيلية، الذي راهن طويلًا على كسر الإرادة الإيرانية عبر العقوبات والضغوط والتهديدات المتعددة الأشكال.

وفي قلب هذا المسار، يبرز الدور المحوري للقائد السيد علي الخامنئي، الذي شكّل حضوره القيادي عنصر توازن واستمرارية في مواجهة العواصف السياسية والأمنية. فقد أسهمت رؤيته القائمة على الاستقلال، والاعتماد على القدرات الذاتية، وتعزيز موقع العلم والمعرفة في بنية الدولة، في توجيه السياسات الكبرى للجمهورية الإسلامية نحو بناء قوة هادئة ومتراكمة، لا تنفعل مع الضغوط الآنية ولا تنجرّ إلى رهانات قصيرة الأمد. هذا النهج القيادي أتاح تحويل التحديات إلى فرص، ورسّخ مفهوم الصبر الاستراتيجي بوصفه أداة فعالة في مواجهة محاولات الهيمنة والإخضاع.

إن التركيز على هذا الانتصار لا ينطلق من منطق المفاخرة بقدر ما يعكس حقيقة سياسية مفادها أن إرادة الدول والشعوب، حين تستند إلى قيادة واعية ومشروع واضح، قادرة على كسر معادلات القوة المفروضة، مهما بلغ حجم التفوق المادي لدى الخصوم. وهكذا، تتكامل عناصر الوعي والثبات والقيادة لتشكّل الأساس الذي مكّن الجمهورية الإسلامية من مواجهة الغطرسة الأميركية والإسرائيلية، والحفاظ على قرارها السيادي، وتثبيت موقعها كدولة ترفض الخضوع وتراهن على المستقبل بثبات


هذا المحتوى مقدم من وكالة وطن للأنباء - العراق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة وطن للأنباء - العراق

منذ 9 ساعات
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
قناة السومرية منذ 11 ساعة
عراق أوبزيرڤر منذ 6 ساعات
قناة السومرية منذ 10 ساعات
قناة الاولى العراقية منذ 9 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ 14 ساعة
قناة اي نيوز الفضائية منذ 59 دقيقة
عراق أوبزيرڤر منذ 11 ساعة
قناة السومرية منذ 3 ساعات