محمد الجارالله يكتب - التغذية... حين تُدار الصحة من المطبخ لا من الصيدلية

في السابع من يناير الجاري، صدرت النسخة الجديدة من الدليل الغذائي الأميركي، برعاية مشتركة من وزارتي الصحة والزراعة، فيما وُصف رسمياً بأنه أكبر إعادة توجيه لسياسة التغذية الفدرالية منذ 4 عقود. وقد يتساءل القارئ للوهلة الأولى: أين الثورة إذا كانت التوصيات العامة معروفة منذ سنوات؟ فالحديث عن الخضار، وتقليل السكر، وشرب الماء، ليس جديداً في ذاته، غير أن جوهر التحول لا يكمن في التفاصيل الجزئية، بل في الفلسفة الصحية التي تقف خلف الدليل، وفي إعادة ترتيب الأولويات الغذائية من جذورها، وفي الانتقال من منطق تقليل الضرر إلى منطق بناء الصحة.

الجديد الحقيقي يتمثل في أن الدليل لم يعد يدور حول هاجس السعرات والدهون فقط، بل أعاد الاعتبار إلى مفهوم الطعام الحقيقي بوصفه أساس الصحة، لا مجرد توازن حسابي بين الدهون والكربوهيدرات. وللمرة الأولى يتم وضع البروتين في مركز كل وجبة باعتباره عنصراً حاسماً في الحفاظ على الكتلة العضلية، وتنظيم الشهية، ودعم الاستقلاب، خصوصاً مع التقدم في العمر، كما جرى التخفف من النظرة السلبية التقليدية تجاه الدهون الطبيعية، والانتقال من الخوف من الدهون إلى التمييز بين الدهون الجيدة والرديئة، وكذلك أُعيد تقييم الألبان كاملة الدسم بعد عقود من شيطنتها، مع التركيز على الجودة بدل النزع القسري للدهون، والأهم من ذلك كله أن الأغذية الفائقة المعالجة صُنّفت بوضوح باعتبارها عامل خطر مستقلاً، لا مجرد خيار غذائي سيئ.

هذه النقلة ليست تقنية فقط، بل تمثل تحولاً في السياسات الصحية، حيث لم يعد الهدف مجرد إرشاد الأفراد، بل إعادة توجيه منظومة الغذاء والتعليم والتأمين الصحي والدعم الزراعي لتخدم الوقاية لا العلاج.

هذا التحول يمس واقعنا الخليجي مباشرة، حيث نعيش مفارقة صحية واضحة تجمع بين وفرة اقتصادية وخدمات طبية متقدمة من جهة، وارتفاع مقلق في معدلات السمنة وداء السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب من جهة أخرى. هذه الأمراض ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكمية لأنماط غذائية غير متوازنة تشكلت عبر سنوات طويلة من الاعتماد على المطاعم السريعة والمشروبات المحلاة والوجبات المصنعة، مع تراجع الحركة والنشاط البدني. ومع الزمن أصبح الدواء يعالج النتائج، بينما تُترك الأسباب دون معالجة جذرية.

التغذية كقرار سيادي للصحة لا كترف شخصي

لم تعد التغذية شأناً فردياً معزولاً، بل باتت قراراً استراتيجياً يؤثر في مستقبل المجتمع واقتصاده واستدامة نظامه الصحي. ما نضعه اليوم على موائدنا يحدد حجم العبء الصحي بعد عشر سنوات، ونوعية حياة كبار السن، وكلفة العلاج على الميزانية العامة، ومستوى الإنتاجية الوطنية. المجتمعات التي تستثمر في الوقاية الغذائية تقل فيها معدلات الإعاقة المرضية، وتنخفض أيام الغياب الوظيفي، وتتحسن مؤشرات الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي.

الوجبات السريعة ليست مجرد خيار غذائي غير صحي، بل نموذج اقتصادي وسلوكي مكلف على المدى البعيد. فهي تخلق إشباعاً لحظياً سريعاً، وتُدرّب الدماغ على طلب السكر والدهون والملح بصورة قهرية، مما يضعف القدرة على ضبط السلوك الغذائي ويعزز الاعتماد على الطعام كتعويض نفسي لا كحاجة بيولوجية. صحياً، ترتبط هذه الوجبات بارتفاع الالتهاب.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الجريدة

منذ ساعة
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
صحيفة القبس منذ 7 ساعات
صحيفة القبس منذ ساعة
صحيفة الأنباء الكويتية منذ 5 ساعات
صحيفة الراي منذ 3 ساعات
صحيفة الأنباء الكويتية منذ 14 ساعة
صحيفة السياسة منذ 4 ساعات
صحيفة السياسة منذ 3 ساعات
صحيفة الراي منذ 4 ساعات