أحمد التميمي إربد- لم تعد إعلانات الوفيات في الصحف الورقية والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي، مجرد مساحة لإعلان رحيل الأحبة، بل تحولت لدى فئة من المتسولين إلى "خريطة عمل" ترصد من خلالها مواعيد الدفن وأماكن المقابر، ليتم التوجه إليها في التوقيت المناسب واستغلال مشاعر الحزن لدى ذوي المتوفين والمعزين.
وبحسب شهادات مواطنين مطلعين على الأمر، فإن متسولين باتوا يرصدون إعلانات الوفيات لمعرفة تفاصيل الدفن، بما في ذلك اسم المقبرة وموعد الصلاة، ليحضروا إلى المكان قبل أو أثناء مراسم التشييع، في سلوك يوصف بأنه تعد واضح على حرمة الموت وقدسية المقابر.
ويشير مواطنون إلى أن المتسولين يتوزعون عند مداخل المقابر وعلى الطرق المؤدية إليها، فيما يقترب آخرون من أهل الفقيد مباشرة بعد الدفن، مستخدمين عبارات دينية مؤثرة أو قصصا إنسانية مؤلمة، بهدف استدرار العاطفة والحصول على المال.
ويؤكد البعض أن عددا من هؤلاء المتسولين يكررون الحضور إلى أكثر من مقبرة في اليوم ذاته، ما يعزز الشكوك حول وجود تنظيم أو تنسيق مسبق فيما بينهم.
وطالب مواطنون وناشطون، الجهات المعنية، بتكثيف الرقابة حول المقابر، خصوصا في أوقات الدفن، واتخاذ إجراءات رادعة بحق المتسولين الذين يستغلون حزن الناس، إلى جانب تفعيل القوانين التي تجرم التسول المنظم.
كما دعوا إلى إطلاق حملات توعوية تحث المواطنين على عدم تقديم المال داخل المقابر، وتوجيه الصدقات إلى الجهات الرسمية والجمعيات الخيرية المعتمدة، بما يضمن وصولها إلى مستحقيها الحقيقيين، ويحفظ كرامة الجميع.
المشهد بات مألوفا
وقال المواطن عبد الله السودي إن المشهد بات مألوفا، فبمجرد انتهاء الدفن يظهر المتسولون واحدا تلو الآخر، وكأنهم كانوا بانتظار الجنازة، مضيفا أن بعضهم يصطحب أطفالا أو يتعمد إظهار مظاهر البؤس الشديد، في محاولة واضحة للتأثير على مشاعر المعزين.
وأشار إلى أن وجود المتسولين في المقابر لم يعد حالة طارئة أو فردية، بل أصبح مشهدا متكررا يرافق معظم الجنائز، حيث يظهر المتسولون فور انتهاء الدفن أو حتى أثناء مراسم التشييع.
وأكد السودي، أن هذا التوقيت ليس عفويا، بل يدل على ترقب مسبق لمواعيد الدفن، ما يخلق حالة من الانزعاج لدى المعزين ويحول لحظات الوداع الأخيرة إلى مشهد ضاغط نفسيا ومسيء لحرمة المكان.
ولفت أيضا إلى أن المقابر، التي يفترض أن تكون أماكن للخشوع والدعاء، تحولت في بعض الأحيان إلى ساحات للتسول العلني، مع انتشار المتسولين عند المداخل وعلى الطرق المؤدية إليها.
كما أكد السودي، أن هذه الظاهرة باتت تترك أثرا سلبيا على ذوي المتوفين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتعامل مع المتسولين في أكثر اللحظات حساسية، مطالبا بضرورة تدخل الجهات المختصة لإعادة هيبة المقابر وتنظيم محيطها.
أما المواطن أحمد الزعبي، وهو سائق عمومي، فيقول إنه لاحظ تكرار وجود المتسولين أنفسهم في أكثر من مقبرة خلال اليوم الواحد، الأمر الذي يعزز القناعة بأن التسول في المقابر بات منظما وليس عشوائيا.
وأشار إلى أن بعضهم ينتقل بسرعة من موقع إلى آخر، مستفيدين من قرب المقابر أو اختلاف مواعيد الدفن، ما يدل على وجود متابعة دقيقة لمواعيد الجنائز واستغلالها كمصدر دخل يومي.
ويرى الزعبي، أن جزءا من المشكلة يعود إلى استجابة بعض المواطنين بدافع التعاطف، ما يشجع على استمرار الظاهرة وتوسعها.
وأكد أن الامتناع عن تقديم المال داخل المقابر، وتوجيه الصدقات إلى الجمعيات الخيرية الرسمية، من شأنه أن يحد من انتشار التسول المنظم، ويحفظ كرامة المحتاجين الحقيقيين وحرمة أماكن الدفن في الوقت ذاته.
تطور أساليب التسول
وبحسب الناشطة الاجتماعية مها سلامة، فإن تطور أساليب التسول ووصولها إلى متابعة صفحات الوفيات يعكس خللا اجتماعيا يتطلب معالجة شاملة، تبدأ بتكثيف الرقابة حول المقابر خلال أوقات الدفن، ولا تنتهي عند حملات التوعية المجتمعية.
وشددت على ضرورة تفعيل القوانين التي تجرم التسول المنظم، إلى جانب تعزيز ثقافة التكافل المنظم عبر القنوات الرسمية، بما يمنع استغلال الحزن الإنساني في تحقيق مكاسب مادية.
من جهتهم، عبر عدد من ذوي المتوفين عن استيائهم الشديد من هذه الظاهرة، مؤكدين أن وجود المتسولين في المقابر يزيد من الألم النفسي في لحظات الوداع الأخيرة، ويحول مشاعر الحزن والخشوع إلى توتر وانزعاج.
بهذا الخصوص، قال محمد العودات، إن عائلته تفاجأت بوجود عدد من المتسولين داخل المقبرة فور انتهاء الدفن، حيث بدأوا بالاقتراب من أفراد العائلة والمعزين دون مراعاة لحالة الحزن التي يعيشونها.
وأشار إلى أن هذا المشهد زاد من ثقل الفاجعة، وحول لحظات الدعاء والوداع إلى حالة من التوتر والانزعاج، مؤكدا أن العائلة شعرت بانتهاك واضح لخصوصيتها في وقت لا يحتمل أي ضغوط إضافية.
ولفت العودات، إلى أن المتسولين ظهروا وكأنهم كانوا على دراية مسبقة بموعد الدفن، حيث توافدوا إلى المقبرة قبل وصول الجنازة.
ويرى أن هذا الأمر يعكس متابعة دقيقة لمواعيد الوفيات واستغلالها، مؤكدا أن بعض المتسولين انتقلوا بين أكثر من مجموعة من المعزين في المكان نفسه، ما عزز شعور العائلة بأن الأمر منظم ومقصود.
أما أم خالد، فبينت أن المتسولين تواجدوا منذ وقت مبكر عند مدخل المقبرة، وبدأوا بطلب المال من النساء بشكل مباشر، مستخدمين عبارات دينية مؤثرة.
ولفتت إلى أن هذا السلوك ترك أثرا نفسيا سلبيا على النساء وكبار السن، خصوصا في ظل حالة الانكسار التي ترافق فقدان الأحبة، معتبرة أن ما يحدث يتنافى مع قدسية المكان واحترام مشاعر المفجوعين.
وقالت أم خالد، إن وجود المتسولين في المقبرة زاد من معاناة العائلة، لا سيما عند اقترابهم من الأطفال وكبار السن، ما تسبب بحالة من الإرباك والانزعاج، مشيرة إلى أن بعض أفراد العائلة اضطروا للتدخل ومنع المتسولين من الاقتراب، وهو موقف لم يكن من المفترض أن يواجهوه في لحظة وداع أخيرة.
تطور خطير في الأساليب
ويرى متخصصون اجتماعيون، أن متابعة المتسولين لصفحات الوفيات تعكس تطورا خطيرا في أساليب التسول، وانتقالها من العشوائية إلى التخطيط المسبق، مستغلين سهولة الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.
وأكدوا، أن هذا السلوك لا يسيء فقط إلى حرمة المقابر، بل يساهم في تكريس ثقافة التسول بدلا من العمل، ويشجع فئات أخرى على اتباع النهج ذاته.
وحذرت الباحثة الاجتماعية بيان درابسة، من جمعية حماية الأسرة والطفولة في إربد، من ظاهرة استغلال الأطفال في الذهاب إلى المقابر لأغراض التسول أو القيام بأعمال مخالفة، مؤكدة أن هذه الممارسات تعد انتهاكا صارخا للاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل.
وأشارت درابسة إلى أن هذا الاستغلال لا يؤثر فقط على سلامة الأطفال الجسدية والنفسية، بل ينعكس بشكل مباشر على مستقبلهم التعليمي، حيث يساهم في زيادة معدلات التسرب من المدارس.
وأكدت أن الأطفال الذين يستغلون في مثل هذه الأعمال غالبا ما يحرمون من حقهم في التعليم والترفيه والنمو السليم، مما يجعلهم أكثر عرضة لمشكلات اجتماعية وسلوكية في المستقبل.
كما لفتت درابسة، إلى أن مثل هذه الممارسات تتغذى على ضعف الرقابة المجتمعية، وغالبا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
