ذاكرة سوداء .. وثلاث فيتوات .. من يتحمل كُلفة ترشيح المالكي وماذا لو عاد أساليبه القديمة؟

في وقتٍ تتصاعد فيه الخلافات داخل الإطار التنسيقي، تحول اسم نوري المالكي إلى مأزق كبير، ليس داخل البيت الشيعي فحسب، بل على مستوى المشهد الوطني برمته، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات عودته على الاستقرار السياسي والأمني، وعلى علاقات العراق الداخلية والخارجية.

وتأجيل اجتماع الإطار التنسيقي الذي كان مقرّرًا عقده مساء السبت، كشف حجم الارتباك والانقسام داخل التحالف، بعد طرح ترشيح المالكي بشكل عملي، وظهور اعتراضات واضحة من قوى وازنة ترى أن إعادة إنتاج هذا الخيار تمثل مغامرة سياسية غير محسوبة، وقد تفتح البلاد على مسارات انسداد جديدة.

وبحسب مراقبين، فإن الجدل لم يعد محصورًا بشخص المرشح، بل بات يتصل بطريقة إدارة الملف داخل الإطار، ودور تحالف الإعمار والتنمية في الدفع باتجاه خيار يراه معارضوه سببًا مباشرًا في إدخال العراق في فراغ سياسي وأزمة مفتوحة، بعد سنوات من محاولات ترميم الثقة الداخلية والخارجية.

والاعتراض على المالكي لا ينطلق من كونه شخصية سياسية تقليدية، بل من كونه مرتبطًا بمرحلة تعدّ، في الذاكرة العراقية، من أكثر المراحل دموية واضطرابًا، إذ شهدت ولايتاه أحداثًا كبرى تركت آثارًا عميقة على المجتمع والدولة، من تفجيرات طائفية، وانقسامات مجتمعية، وأزمات أمنية، وانهيار مفاجئ للمنظومة العسكرية عام 2014.

ويرى معارضون أن إعادة طرح المالكي تمثل إحراجًا سياسيًا وأخلاقيًا لضحايا مراحل سابقة، من سبايكر إلى الموصل، ومن الإيزيديين إلى مدن الأنبار، معتبرين أن العودة إلى هذه المرحلة، أو إلى رموزها، تعني تجاهلًا صريحًا لتراكمات الألم والخسارة، ورسالة سلبية لشارع لم يلتئم بعد.

واحدة من أكثر النقاط حساسية في الجدل الدائر تتعلق بالمخاوف من عودة ما يصفه خصوم المالكي بأساليب إدارة السلطة السابقة، من تصفية الخصوم سياسيًا، واستخدام أدوات الدولة في الصراع السياسي، وهي هواجس تتكرر اليوم مع كل حديث عن إعادة تدوير التجربة نفسها.

وتتسع دائرة القلق لتشمل البعد الإقليمي، إذ يذكّر معارضون بسجل المالكي المربك مع دول الخليج، ولا سيما السعودية وقطر، معتبرين أن عودته قد تعقّد مسار إعادة الانفتاح العربي، وتعيد العراق إلى مربعات العزلة وسوء الثقة الإقليمية، في وقت يحاول فيه تثبيت موقعه كدولة توازن لا ساحة صراع.

انقسام داخل الإطار

رقميًا وسياسيًا، لا يحظى المالكي بإجماع داخل الإطار التنسيقي، إذ تشير تقديرات إلى وجود تحفظات من قوى مؤثرة، بينها أطراف وازنة تمتلك ثقلًا سياسيًا وشعبيًا مثل تيار الحكمة، وعصائب أهل الحق، وابشر يا عراق، وحتى منظمة بدر، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة، أبرزها عودة ما يُعرف بالثلث المعطل، بوصفه أداة ضغط متبادلة، قد تعيد البلاد إلى أجواء الشلل السياسي.

وتحذّر أوساط سياسية من أن هذا المسار قد يتقاطع مع مزاج شعبي متوتر، في ظل أحاديث متداولة عن احتمالات تظاهرات واحتجاجات، وما قد يرافقها من توترات أمنية، خصوصًا إذا جرى تجاهل التحذيرات المبكرة، أو التعاطي معها بوصفها مجرد ضغط عابر.

المالكي والملفات العالقة

وعلى المستوى الدولي، فتستعاد مواقف الولايات المتحدة عام 2014، حين ربطت تدخلها المباشر بتغيير الحكومة، وهو ما يثير تساؤلات عن مدى تقبل واشنطن عودة شخصية ارتبط اسمها بمرحلة انهيار أمني كبير، وعن انعكاسات ذلك على ملفات حساسة، من الدعم الدولي إلى مسار نزع السلاح.

ويشكل ملف العلاقات مع المكونات الأخرى يشكل بدوره نقطة ضعف مركزية في أي محاولة لإعادة تسويق المالكي، إذ لا تزال علاقته مع القوى السنية متوترة، ولا سيما في الأنبار والموصل، وسط استحضار لملفات أمنية وسياسية ثقيلة، إضافة إلى علاقة شديدة التعقيد مع التيار الصدري، وفتور واضح مع المرجعية الدينية، التي تؤكد، وفق مواقفها المعلنة، عدم تدخلها في اختيار الأشخاص أو الأحزاب.

صوت داخل الإطار

في المقابل، يرى مؤيدو المالكي داخل الإطار صورة مغايرة، إذ قال عضو الإطار التنسيقي محمود الحياني لـ عراق أوبزيرفر إن المرجعية الدينية أكدت أكثر من مرة أنها لا تتدخل في اختيار الأشخاص أو الأحزاب، وأن مسؤولية الخيارات السياسية تقع على عاتق القوى السياسية أمام الله والجمهور، مشيرًا إلى أن الحكومات السابقة والحالية جميعها تتحمل مسؤولية الإخفاقات، وأن المالكي يمتلك خبرة سياسية وقدرة على إدارة الملفات المعقدة، بحسب تقديره .

ويضيف الحياني أن المالكي كان جزءًا من مرحلة بناء النظام السياسي، وأن فترات الاستقرار النسبي تحققت في عهده رغم التحديات الأمنية الكبيرة، معتبرًا أن الفساد تفاقم بعد 2014، وأن عودته قد تشكل فرصة لمعالجة أزمات سياسية وأمنية واقتصادية، وفق رؤيته .

بين التحذير والمغامرة

لكن هذه القراءة لا تبدو كافية لطمأنة خصوم المالكي، الذين يرون أن الأزمة اليوم ليست في نقص الخبرة، بل في فقدان الثقة، وفي كلفة إعادة فتح ملفات الماضي على حاضر هش، مؤكدين أن العراق بحاجة إلى مقاربات جديدة، لا إلى إعادة تدوير أسماء ارتبطت بأكثر الفصول جدلًا في تاريخه الحديث.

ومع استمرار التأجيل والتباين داخل الإطار، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت القوى السياسية ستتجه نحو تسوية أقل صدامية، أم أنها ماضية في مغامرة قد تعيد إنتاج الانسداد، وتضع البلاد أمام اختبار جديد لا يبدو أن الشارع مهيأ لدفع ثمنه مجددًا.


هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من عراق أوبزيرڤر

منذ ساعتين
منذ 21 دقيقة
منذ 5 ساعات
منذ 3 دقائق
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
عراق أوبزيرڤر منذ 7 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ ساعتين
قناة الرابعة منذ 6 ساعات
موقع رووداو منذ 4 ساعات
كوردستان 24 منذ 29 دقيقة
وكالة الحدث العراقية منذ 9 ساعات
قناة اي نيوز الفضائية منذ 3 ساعات
قناة السومرية منذ 6 ساعات