أظهرت أبحاث متعددة في علم النفس الاجتماعي، من بينها دراسات صادرة عن جامعة ميامي حول «القيادة والتواصل»، أن الأفراد يميلون إلى ربط الصوت الهادئ والمنضبط بالكفاءة العالية والاستقرار النفسي. في المقابل، يُنظر إلى الصوت المرتفع غالباً بوصفه دليلاً على ضعف السيطرة العاطفية، أو محاولة تعويضية لإخفاء قلة الحيلة، وهو ما يفضي إلى النفور الاجتماعي وتآكل الكاريزما المهنية وصعوبة بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل.
غير أن واقع الحياة المعاصرة، المثقل بضجيج المرور والمقاهي المزدحمة والضوضاء المستمرة، جعل من رفع الصوت سلوكاً شبه تلقائي.
فكثيرون باتوا يتحدثون بنبرة مرتفعة، تصل أحياناً إلى حد الصراخ، في العمل والمنزل وحتى في لحظات يُفترض أن يسودها الهدوء.
وما يُتعامل معه عادة بوصفه سمة شخصية أو عادة اجتماعية، يحذّر اختصاصيو علاج النطق والصوت من أنه قد يكون مؤشراً مبكراً، بل سبب مباشر، لاضطرابات تصيب الحبال الصوتية.
أبرز الأسباب
ووفقاً للدكتورة مرام الخالدي، اختصاصية علاج النطق والسمع في كلية العلوم الطبية المساعدة بجامعة الكويت، فإن تعوّد بعض الأشخاص على التحدث بصوت مرتفع غالباً من دون وعي منهم، يعود إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، أبرزها:
1 - تأثير لومبارد (مواجهة الضوضاء)
من أبرز مسببات ارتفاع الصوت ما يُعرف علمياً بـ«تأثير لومبارد»، حيث يقوم الدماغ تلقائياً بزيادة شدة الصوت لمواجهة الضوضاء المحيطة وضمان وصول الكلام بوضوح. وتكمن المشكلة عندما يتحول هذا السلوك إلى نمط دائم؛ إذ إن الدفع المتكرر للصوت في البيئات الصاخبة مثل الصفوف الدراسية والمطاعم والصالات الرياضية والمنازل المزدحمة يفرض إجهاداً مفرطاً على الحبال الصوتية. ومع مرور الوقت، قد يقود هذا الإجهاد إلى اضطرابات مثل الإجهاد الصوتي، واضطراب التوتر العضلي الصوتي، وتكوّن عُقيدات أو نتوءات في الحبال الصوتية، إضافة إلى بُحّة مزمنة.
وتشير د.مرام إلى أن ذلك يفسّر شيوع «إنهاك الصوت» لدى فئات مثل المعلّمين، والآباء، ومدربي اللياقة البدنية، والعاملين في المبيعات، نتيجة الاستخدام المفرط والمجهد للصوت.
2 - ضعف سمع غير مُشخّص
عامل آخر كثيراً ما يُغفل عنه يتمثل في ضعف السمع غير المُشخّص أو الطفيف. فالأشخاص الذين لا يسمعون أصواتهم بوضوح يميلون لا شعورياً إلى رفعها ليتمكنوا من سماعها، ما يخلّ بما يُعرف بـ«التغذية السمعية الراجعة»، ويدفع إلى إنتاج صوتي قسري يزيد من قوة اصطدام الحبال الصوتية ببعضها. وغالباً ما يُلاحظ هذا النمط لدى بالغين يعانون من بُحّة طويلة الأمد أو شعور بعدم الارتياح في الحلق، قبل أن يتبيّن لاحقاً وجود مشكلة سمعية كامنة.
3 - التوتر والقلق
ولا يقتصر تأثير التوتر النفسي في الحالة الذهنية فحسب، بل يترك بصمته الواضحة على الصوت أيضاً. فالقلق والإجهاد المزمن يؤديان إلى شدّ عضلات الرقبة والفك والحلق، ما ينتج عنه صوت مشدود، مرتفع، ومجهد.
ومع الوقت، قد يتطور الأمر إلى اضطراب صوتي وظيفي يبدو فيه الصوت قاسياً أو مضغوطاً رغم سلامة الحبال الصوتية عضوياً. ويُفاجأ كثير من المرضى عندما يكتشفون أن مشكلتهم الصوتية لا تعود إلى مرض عضوي، بل إلى سوء استخدام مرتبط بالتوتر.
كما وجدت دراسات عدة ارتباطاً بين الصراخ وارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول، ما يسهم في زيادة ضغط الدم وحدّة التوتر العصبي.
4 - الثقافة والعادات الاجتماعية
في بعض الثقافات، يُنظر إلى الصوت العالي على أنه تعبير عن الحماسة أو الصدق أو الثقة بالنفس. وفي العائلات الكبيرة أو البيئات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة القبس
