محمود كريشان
عمانُ الصِّبا والصَّباح الندي.. تُطلُّ من الأمسِ نحو الغدِ.. نمضي مع الحياةِ صباحا في مواكب الساعين على بركة الله، أفراداً وجموعاً، نقصدُّ رقيّ عمان، نُلبي النداء بعزائم لا تلين، نهتفُ حبا لوطنٍ يواصلُ المسير في دروب النماء إلى سمو الأمجاد..
يلا نروح نروح نوكل منسف
نتوقف مع الإعلامية والناقدة المصرية الكبيرة ناهد صلاح من صحيفة اليوم السابع، وقد زارت عمان مؤخرا وكتبت مقالا جاء فيه: ونحن في بداية العام الجديد 2026، قررت أن أكتب عن المدن التي زرتها خلاله، لا بوصفها محطات سفر عابرة، بل كأماكن تركت أثرها فيّ. مدن لا تُختصر في صور، ولا تُفهم من دليل سياحي، بل من التجربة، من الناس، من التفاصيل الصغيرة التي لا تُرى من النظرة الأولى.
أبدأ هذه السلسلة بالعاصمة الأردنية عمّان، المدينة التي لا تُؤخذ من الواجهة، ولا تُقرأ من شوارعها العريضة وحدها.
أثناء زيارتي الثانية للعاصمة الأردنية في شهر يوليو الماضي بدعوة من مهرجان عمّان الدولي للفيلم الأول، لم تكن دعوة صديقي الناقد الكبير ناجح حسن، لتناول المنسف مجرد اقتراح غداء، بل اقتراح معرفة.. قال ناجح ببساطة: «يلا نروح نروح نوكل منسف « كأن الاسم وحده كافٍ ليحسم الأمر. كانت تلك أول مرة لي، أول أدحبر الرز مع لبن الجميد»، وأول اختبار حقيقي لعلاقتي بالمنسف خارج الحكايات.
في المطعم، لا شيء يدّعي الأناقة، كل شيء يقول إنه هنا لأجل الطعام فقط.. المنسف جاء واثقًا من نفسه؛ لحم مطهو بلا تكلّف، جميد لا يهادن ولا يساوم على هويته، أرز يعرف دوره جيدًا، ناجح لم يتصرف معي كمرشد سياحي للمطبخ الأردني، بل كصديق يعرف أن التجربة تُترك لتفعل فعلها دون شرح.. بين لقمة وأخرى، دار الحديث كما يدور دائمًا بين كاتبين: عن النقد، عن الكتابة، عن تلك المسافة الصعبة بين الفكرة ونصّها. اكتشفت أن المنسف، مثل النقد الجيد، لا يقبل أنصاف الحلول؛ إما أن يُقدَّم كاملًا أو لا يُقدَّم.
من تلك الوجبة، بدأت أفهم عمّان، مدينة تُفهم «دحبرها دحبرها»، طبقة بعد طبقة، كما يُؤكل المنسف: لا تُدرك نكهته من أول لقمة، بل من الصبر على الطهو، من المزج بين ما هو ظاهر وما هو مستتر، إنها مدينة لا تُغريك فورًا، لكنها تُربكك إنسانيًا، ثم تمكث فيك طويلًا.
مدينة التعايش الصامت
عمّان مدينة التراكم بلا مركز واحد، بلا قلب واضح، لكنها تملك قلوبًا صغيرة موزعة على الجبال، كل جبل حكاية اجتماعية: جبل يفيض بالذاكرة الفلسطينية، وآخر يحمل ثقل العشائر، وثالث يحتضن طبقة وسطى تحاول التوازن بين القيم والضغوط.
هذا التوزيع ليس عشوائيًا، بل انعكاس صادق لتاريخ المدينة كملاذ قبل أن تكون عاصمة، أنت تمشي في عمّان، لكنك تمشي فوق طبقات من التاريخ لم تُدفن بعد.. ترى ذلك بوضوح في قلبها: المدرج الروماني يقف بكل شموخه، رافضاً أن يكون مجرد أثر قديم. إنه قطعة من «فيلادلفيا» القديمة الاسم الروماني لعمّان ومركز حيوي لـ»عمّان» الحديثة في آن واحد، تجد شباباً يلتقطون صورهم على أدراجه، أو شيخاً يتخذ من ظله استراحة بعد يوم عمل.. هذا التداخل بين القديم والحديث، بين الركن الروماني المتقن وفوضى السوق الشعبي المبهجة،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
