من الغرف المغلقة إلى الميدان.. كواليس تقدم القوات السورية في المزيد من أراضي شمال #سوريا

شهدت سوريا خلال الأسابيع الأخيرة تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، أعادت مساحات واسعة من شمال وشرق البلاد إلى قبضة الدولة المركزية في دمشق، بعد أن كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد". وعزز هذا التطور موقع الرئيس أحمد الشرع، بعد نحو عام وشهرين من إنهاء حكم بشار الأسد، وأعاد رسم ملامح الصراع السوري في ضوء تبدل واضح في السياسة الأمريكية.

وأنهت استعادة هذه المناطق عمليًا سنوات من الانقسام الجغرافي والإداري، وأعادت معظم الأراضي السورية إلى سلطة الحكومة، في تطور كشف عن تراجع الدعم الدولي للمشروع الكردي في الشمال الشرقي، وتحديدًا من جانب واشنطن.

ما أسباب التقدم العسكري السريع؟ خلال الأشهر الماضية، تصاعد الخلاف بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية. وطالبت دمشق بدمج هذه القوات بشكل كامل في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، إضافة إلى إنهاء الهياكل الإدارية المنفصلة في المناطق الخاضعة للإدارة الكردية.

في المقابل، رفضت قوات سوريا الديمقراطية تلك المطالب، معتبرة أنها تهدد تجربة الحكم الذاتي التي أسستها منذ سنوات، وأبدت مخاوف من أن الحكومة الجديدة ذات التوجه الإسلامي تسعى لإحكام السيطرة الكاملة على البلاد دون ضمانات سياسية حقيقية. ومع بداية الشهر الجاري، تحولت الخلافات إلى مواجهة عسكرية مباشرة، حيث تمكنت القوات الحكومية من بسط سيطرتها على مناطق كردية في محافظة حلب، قبل أن تتقدم شرقًا، ما دفع المقاتلين الأكراد إلى الانسحاب المتدرج.

وكشفت معلومات متقاطعة حصلت عليها وكالة "رويترز" من مصادر متعددة مطلعة على مشاورات غير معلنة، أن التقدم السريع للحكومة السورية في مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية لم يكن نتيجة قرار ميداني مفاجئ، بل خلاصة مسار سياسي وأمني معقد، صيغ خلال اجتماعات مغلقة عُقدت في عدة عواصم إقليمية ودولية مطلع الشهر الجاري.

ووفق هذه الروايات، التي لم يُكشف عنها سابقًا، فإن اللقاءات التي جرت في دمشق وباريس وأراضٍ عراقية أسست لتحول جذري في موازين القوى داخل سوريا، من دون أن تواجه العملية اعتراضًا أمريكيًا حاسمًا، رغم أنها أنهت عمليًا نفوذ شريك اعتمدت عليه واشنطن لسنوات. وتقول المصادر إن تلك المشاورات مهدت للرئيس السوري أحمد الشرع تحقيق مكسبين استراتيجيين في آن واحد وهما: تثبيت تعهده بإعادة توحيد الأراضي السورية تحت سلطة مركزية واحدة، وترسيخ موقعه باعتباره الطرف السوري الأكثر قبولًا لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وبحسب هذه المعطيات، فإن التحرك العسكري أنهى فعليًا المشروع الإداري المستقل الذي كانت القيادات الكردية تسعى للحفاظ عليه في شمال شرق البلاد، كما شكّل اختبارًا مباشرًا لحدود الدعم الأمريكي للشرع، الذي كان يقود في مرحلة سابقة فصيلًا مرتبطًا بتنظيم القاعدة. غير أن نتائج هذا الاختبار جاءت لمصلحته، إذ نقل المبعوث الأمريكي توم باراك موقفًا مفاده أن واشنطن باتت ترى إمكانية التعامل مع الدولة السورية، ولا تجد مصلحة في استمرار دور منفصل لقوات سوريا الديمقراطية.

رسائل متقاطعة وبداية الهجوم تشير المصادر إلى أن دمشق تلقت، بالتوازي، رسالة تركية مفادها أن واشنطن لن تعارض عملية ضد قوات سوريا الديمقراطية شريطة حماية المدنيين الأكراد، في ظل اتهامات تركية متكررة لتلك القوات بالارتباط بحزب العمال الكردستاني.

وبعد نحو أسبوعين، بدأ التحرك العسكري، فيما بدأت واشنطن بإيصال إشارات متزايدة إلى القيادة الكردية تفيد بإعادة تموضعها السياسي. وفي 17 يناير، التقى باراك بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في إقليم كردستان العراق، حيث أبلغه، بحسب مصادر متعددة، بأن المصالح الأمريكية باتت تتركز على التعاون مع القيادة السورية الجديدة، وهو ما نفته لاحقًا مصادر كردية.

ورغم تقديم ضمانات أمريكية تتعلق بحماية المدنيين ومنشآت احتجاز عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، فإن الإجراءات الميدانية، بما في ذلك إسقاط ذخائر تحذيرية من طائرات التحالف، لم ترقَ إلى مستوى التوقعات الكردية. ومع تقدم القوات الحكومية خارج نطاق العملية المعلن، وتصاعد المخاوف الأمريكية من انفلات أمني واسع، لوّح مشرعون أمريكيون بإمكانية إعادة فرض عقوبات إذا استمرت العمليات.

ومع اقتراب القوات السورية من آخر المراكز الكردية، أعلن الشرع وقفًا جديدًا لإطلاق النار، متعهدًا بعدم التقدم في حال تقديم خطة اندماج خلال أيام، في خطوة اعتُبرت رسالة طمأنة مباشرة لواشنطن. وبعد دقائق، أكد باراك في بيان رسمي أن المهمة التي أُنشئت من أجلها قوات سوريا الديمقراطية قد استنفدت إلى حد كبير، وأن مستقبل الأكراد بات مرتبطًا بالاندماج ضمن الدولة السورية الجديدة.

خريطة المناطق التي استعادتها الحكومة امتد التقدم العسكري ليشمل محافظات الرقة ودير الزور، وأجزاء واسعة من الحسكة. وتضم هذه المناطق ثروات استراتيجية بالغة الأهمية، من بينها أكبر حقول النفط السورية، وسد كهرومائي رئيسي، وأراضٍ زراعية شاسعة، إلى جانب سجون ومخيمات تضم عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية وعائلاتهم.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية قد انتزعت هذه المناطق سابقًا من التنظيم المتطرف بدعم أمريكي مباشر، فيما يشكل العرب غالبية سكانها. وأكد قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، في تصريحات نُشرت الثلاثاء، أن قواته أعادت تمركزها في المناطق ذات الغالبية الكردية.

وبموجب اتفاق لوقف إطلاق النار أُعلن في 20 يناير، منحت دمشق القوات الكردية مهلة أربعة أيام لتقديم تصور عملي لدمج ما تبقى من مناطق سيطرتها في الحسكة. وينص الاتفاق على عدم دخول القوات الحكومية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي في حال التوصل إلى تفاهم، الأولى ذات تركيبة سكانية مختلطة، والثانية ذات أغلبية كردية. ورغم الاتفاق، استمرت حالة التوتر الميداني والسياسي.

أين تقف الولايات المتحدة؟ رغم الشراكة العسكرية الطويلة بين الجيش الأمريكي وقوات سوريا الديمقراطية، لم تعلن واشنطن في أي مرحلة دعمها لمطلب الحكم الذاتي الواسع في شمال شرق سوريا. وتعقد الموقف الأمريكي بفعل الضغوط التركية، إذ تعتبر أنقرة وحدات حماية الشعب امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيًا، ونفذت عدة عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية للحد من نفوذها.

وبعد سقوط نظام الأسد، أقامت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علاقات وثيقة مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ورفعت العقوبات المفروضة على دمشق، كما رحبت بانضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال المبعوث الأمريكي توم باراك، الثلاثاء، إن الدور الذي أُنشئت من أجله قوات سوريا الديمقراطية شارف على نهايته، مشددًا على أن الولايات المتحدة لا تخطط لبقاء عسكري طويل الأمد في سوريا. ووصف عرض الاندماج في الدولة المركزية مع ضمانات المواطنة والحقوق الثقافية والمشاركة السياسية بأنه الفرصة الأهم التي أتيحت للأكراد.

كما أبدى ترامب دعمًا علنيًا للشرع، مؤكدًا أنه يعمل بجد، مع الإشارة إلى أن واشنطن تحاول في الوقت نفسه حماية الأكراد. وفي خطوة لافتة، أعلن الجيش الأمريكي الأربعاء نقل 150 معتقلًا من تنظيم الدولة الإسلامية من سوريا إلى العراق، بسبب مخاوف تتعلق بأمن السجون والمخيمات التي كانت قوات سوريا الديمقراطية تؤمنها، مع توقعات بأن يصل عدد المنقولين لاحقًا إلى نحو 7000 معتقل.

ما السيناريوهات المقبلة؟ مع اقتراب القوات الحكومية من آخر المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، ترتفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهات جديدة. ويرى نوح بونسي، كبير مستشاري مجموعة الأزمات الدولية، أن وقف إطلاق النار الأخير ترك قضايا جوهرية دون حسم، خصوصًا ما يتعلق بالترتيبات الأمنية وشكل الإدارة في المناطق المتبقية، ضمن مهلة زمنية ضيقة لا تتجاوز أربعة أيام.

وأشار إلى أن الخلاف الأساسي يتمحور حول طبيعة الحكم، بين مركزية صارمة أو صيغة لامركزية محدودة. كما أن التباين الأيديولوجي بين الشرع، الذي سبق أن ارتبط بتنظيم القاعدة، والحركات الكردية ذات التوجه العلماني اليساري والنسوي، يزيد المشهد تعقيدًا. ورغم ذلك، شدد بونسي على أن جميع الأطراف تدرك مخاطر التصعيد، لافتًا إلى أن الجيش السوري تجنب حتى الآن الانتهاكات الواسعة التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء العام الماضي، حيث قُتل مئات من أبناء الأقليات الدرزية والعلوية.


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من العلم

منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 33 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
موقع سائح منذ 6 ساعات
موسوعة المسافر منذ ساعتين
سي ان ان بالعربية - منوعات منذ 5 ساعات
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 7 ساعات
موقع سائح منذ ساعة
العلم منذ 19 ساعة
العلم منذ 18 ساعة
موقع سائح منذ ساعة