العراق في قلب العاصفة الجيوسياسية وإعادة رسم خرائط الإقليم
في عالمٍ يتداعى فيه النظام الدولي، وتُستبدل فيه القواعد بمنطق القوة، لم تعد السياسة تُدار بردود الأفعال أو الأمنيات، بل بتخطيطٍ قاسٍ، وحسابات باردة، وصراعات طويلة النفس. وفي هذا السياق، تتحول المقولة الصادمة إلى حقيقة استراتيجية: إذا لم تكن على الطاولة، فأنت في القائمة.
ما يجري اليوم ليس أزماتٍ منفصلة، بل عملية إعادة تشكيل شاملة للجغرافيا السياسية والجيوجغرافية للمنطقة والعالم. من الحرب المفتوحة في أوروبا الشرقية، إلى اشتعال بؤر التوتر في غرب آسيا، تتقدم منطق الهيمنة على القانون الدولي، وتُختبر الدول عبر استنزافها أو تفكيك أدوارها أو جرّها قسرًا إلى ساحات الصراع.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تتصدر سوريا واجهة الصراع الإقليمي والدولي من جديد. فما يحدث على أرضها لم يعد شأناً داخلياً ولا نزاعًا إقليميًا محدودًا، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك مفتوحة لتصفية الحسابات، واختبار النفوذ، ورسم خطوط التماس الجديدة. إن إعادة تحريك الملف السوري، أمنيًا وعسكريًا وسياسيًا، مؤشر واضح على أن المنطقة تدخل مرحلة أكثر خطورة، حيث يجري تثبيت وقائع جديدة بالقوة، لا بالتسويات.
ويتزامن ذلك مع تصعيد أمريكي مستمر في خطاب التهديد تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سواء عبر العقوبات، أو الحشد العسكري، أو إدارة الصراع غير المباشر. هذا التهديد ليس معزولًا عن سوريا، ولا عن العراق، ولا عن مجمل توازنات الإقليم؛ بل هو جزء من استراتيجية ضغط شاملة تهدف إلى إعادة ضبط موازين القوة، وكبح الخصوم، وإعادة ترتيب خارطة النفوذ بما يخدم مصالح واشنطن وحلفائها.
وهنا، يصبح السؤال المصيري: أين يقف العراق؟
العراق، بحكم موقعه الجيوجغرافي الفريد، وثقله السياسي، وامتداده التاريخي، ليس دولةً هامشية في هذه المعادلة، بل عقدة مركزية في صراع المحاور. فهو حلقة وصل بين المشرق والمغرب، وعمق استراتيجي، ومساحة تماس بين مشاريع متضادة. ومن يظن أن النار المشتعلة في سوريا، أو التهديدات المتصاعدة ضد إيران، لن تمتد آثارها إلى العراق، إنما يقرأ المشهد بسطحية خطيرة.
إن أخطر ما يواجه الدول في مثل هذه اللحظات التاريخية هو الفراغ الاستراتيجي: غياب التخطيط، ضعف الرؤية، والتعامل مع الأحداث بمنطق ردّ الفعل. فالسياسة لا تعترف بالحياد الساذج، والجغرافيا لا تحمي من لا يحسن توظيفها. ومن لا يضع كل السيناريوهات على الطاولة اليوم، سيُفاجأ غدًا بأنه أصبح بندًا في خطط الآخرين.
العراق أمام اختبار حقيقي:
إما أن يمتلك قرارًا وطنيًا واعيًا، يستند إلى قراءة دقيقة للمتغيرات الجيوسياسية والجيوجغرافية، ويُعدّ لكل الاحتمالات، ويصنع خياراته بنفسه؛
أو أن يُساق، دون استعداد، إلى قلب العاصفة، حيث تُفرض الأدوار وتُرسم الحدود وتُحدد المصائر من خارج الإرادة الوطنية.
إن حماية العراق لا تكون بالشعارات، ولا بالإنكار، بل بالتخطيط الاستباقي، وتوحيد الرؤية، وبناء منظومة أمن قومي متكاملة: سياسية، وأمنية، واقتصادية، وإعلامية. فالدول التي تنجو في زمن الفوضى ليست الأقوى عسكريًا فقط، بل الأذكى استراتيجيًا.
في هذا الزمن الخطير، لا مكان للتردد، ولا رفاهية للانتظار.
إما أن نكون حاضرين في صناعة القرار الإقليمي،
أو نكون غائبين ونُدرج في القائمة.
د. حيدر البرزنجي
رئيس مؤسسة نارام سين للحوار والتنمية.
هذا المحتوى مقدم من وكالة وطن للأنباء - العراق
