نحن نحارب طغيان العثمانيين وتخلفهم، لكننا نقف معهم لندافع عن عقيدتنا المشتركة إذا مسها أحدٌ بسوء. ونحن نحارب المستعمرين الغربيين، لكننا نحتاج لعلمهم وعقلانيتهم - أحمد عبد المعطي حجازي #رأي_الشرق_الأوسط

حين أعود مائة عام إلى الوراء وأرى كيف كانت ثقافتنا العربية أتمنى لها في الوقت الحاضر أن تكون مثلما كانت بين أواسط القرن الأسبق وأواسط القرن العشرين.

في هذه المرحلة التي تبلغ نحو مائة عام خرجنا من عصر الظلمات الذي استولى فيه الأتراك العثمانيون على بلادنا، وصادروا حرياتنا، وفرضوا لغتهم علينا فلم يعد للثقافة العربية في تلك القرون المظلمة إلا مجالات محدودة فقيرة غلب فيها التقليد وانقطع التجديد. ونحن نقرأ الآن ما كتب عما كانت عليه ثقافة بعض المشتغلين بعلوم اللغة والدين في القرن الثامن عشر فنرى أول ما نرى لغةً بائسةً لا تخلو من أخطاء نحوية، ومن خلط بين العامية والفصحى. وبإمكاننا أن نعرف من هذه اللغة المريضة نوع الثقافة التي كُتبت بها ولم تكن في الشعر أكثر من تقليد عاجز، وفي العلم لا شيء، ولم تكن في التاريخ أكثر من خرافات.

صحيح أنه كانت هناك استثناءات نادرة. بعض الشعر في بعض القصائد، وبعض التاريخ في «عجائب الآثار» للجبرتي، وبعض الجهود التي بُذلت لمحاربة العجمة وإعادة الروح إلى الفصحى، وأهمها المعجم الذي أنجزه مرتضى الزبيدي وسمّاه «تاج العروس من جواهر القاموس».

والزبيدي صاحب هذا القاموس يمني ولد في ثلاثينات القرن الثامن عشر، وخرج من اليمن وهو في الثانية والعشرين من عمره ليجد نفسه في مصر يطلب العلم ويجتهد في طلبه بالطرق التي كانت متبعة في عصور الازدهار، ويحقق في ذلك نجاحاً لم يتحقق لغيره، لا في ميدان واحد فحسب، بل في ميادين متعددة. فهو لغوي، وفقيه، ومحدّث، ومؤرخ، وشاعر. وهو يعرف التركية والفارسية. وهو كما يصفه الجبرتي رجل نحيف، ذهبي البشرة، أنيق الثياب يتنقل بثقة بين المعارف والأسماء والتواريخ، ويلقى الإقبال والإعجاب من علماء عصره وأمرائه الذين كانوا يسمعون دروسه ويجزلون له العطاء. ويتجاوز صيته الحدود ويصل إلى رجال الدولة في إسلامبول، وإلى السلطان محمد سلطان المغرب. لكن هذه الشهرة لم تصرفه عن إنجاز عمله الأساسي وهو المعجم الذي عبّر به عن إدراكه للدور الذي تؤديه الفصحى في الثقافة العربية الإسلامية، كما تؤديه اللغات في كافة الثقافات. وهكذا أتم عمله في أربعة عشر مجلداً واحتل مكانه وأدى دوره إلى جانب أصحاب المعاجم الأخرى التي ظلت تتتابع في القرون الماضية، ابتداء من معجم «العين» الذي ألّفه الخليل بن أحمد، مروراً بـ«لسان العرب» لابن منظور، و«الصحاح» للجوهري، و«القاموس المحيط» للفيروز آبادي، حتى وصلنا إلى «تاج العروس» الذي ظهر في مرحلة توالت فيه أحداث وتطورات صدقت نبوءته، وأحلته مكانه الذي احتله في النهضة الثقافية التي تحول بها المعجم إلى أدب، وعلم، وتأليف، وترجمة، وثقافة جديدة خرجنا بها من ظلمات القرن التي مضت ودخلنا هذه العصور الحديثة.

***

في هذه العصور الحديثة فرض علينا أن ندخل حربين في وقت واحد، كما فرض علينا أن نكسبهما معاً في وقت واحد. لأن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الشرق الأوسط

منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 4 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 10 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 21 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 11 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 18 ساعة
قناة العربية منذ 7 ساعات
قناة العربية منذ 7 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 11 ساعة