غرينلاند.. بوابة التحولات الاقتصادية الدولية

مع بداية عام 2026، تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على خلفية النزاع حول جزيرة غرينلاند، في حدث لن يمر مرور الكرام، بل سيجر معه تداعيات على العلاقات عبر الأطلسي، حيث الأمر يتخطى صراعاً على قطعة أرض تكسوها الثلوج، بل ثوابت طالما رددها الجانبان على هذا التحالف التاريخي من الحروب الأولى.

غرينلاند محور هذه الأزمة، كونها أكبر جزيرة في العالم بمساحة تبلغ 2.2 مليون كيلومتر مربع، وتملك أهمية استراتيجية متعددة الأبعاد، فهي قاعدة أساسية للتحكم في الممرات الجوية والبحرية في القطب الشمالي، وموطن لثروات معدنية نادرة قد تصبح مركزية في صناعات المستقبل، كما يفتح تراجع الجليد القطبي إمكانات جديدة للنقل عبر القطب الشمالي، ما يغير قواعد اللعبة في سلاسل التوريد العالمية.

وكان إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عزمه فرض رسوم جمركية بنسبة 10% بدءاً من الشهر المقبل ترتفع إلى 25% بحلول يونيو، على واردات من ثماني دول أوروبية معارضة لموقف واشنطن بشأن غرينلاند، بمثابة مقدمة للضغط على الحلفاء لتحقيق ما وصفه بـ«صفقة شراء محتملة للجزيرة»، نقطة تحول بالغة الدلالة في العلاقات بين الطرفين.

ردود الفعل الأوروبية كانت حازمة وغير معتادة، تجاوزت الرفض الرمزي لتشمل تعزيز الوجود العسكري في غرينلاند واستنفاراً دبلوماسياً موحداً للدفاع عن سيادة الدنمارك وسلامتها الإقليمية، فقد أعلنت بروكسل أنها تعمل على حزمة شاملة لتعزيز الأمن في المنطقة القطبية، مع الدفاع عن سيادة الدنمارك وغرينلاند، محذرة من أن استخدام الرسوم الجمركية بهدف الضغط على الحلفاء يمثل انتهاكاً للمبادئ الأساسية للنظام الدولي القائم على القانون.

قادة من فرنسا والسويد وألمانيا ودول أوروبية أخرى وصفوا التحركات الأميركية بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي، وتهديد للمبادئ الأساسية للنظام العالمي القائم على السيادة واحترام الحقوق، كما قررت عدة دول تعليق المصادقة على الاتفاقيات التجارية مع الولايات المتحدة، ما يهدد أكثر من 1.5 تريليون دولار في التجارة الثنائية السنوية بين الطرفين، وهو أحد أكبر التبادلات التجارية في العالم.

كما تصاعدت نبرة الرد الأوروبي إلى حد الحديث عن تفعيل أداة مكافحة الإكراه، التي تسمح للاتحاد بفرض تدابير انتقامية تشمل رسوما وقائية على واردات أميركية، في تحرك يعكس تحول أوروبا تدريجياً نحو استخدام أدوات اقتصادية كوسيلة ردع استراتيجية، كل ذلك يشير إلى توتر حقيقي في الثقة بين الحلفاء.

أما من منظور الأسواق العالمية، أدت التهديدات الجمركية إلى هز ثقة المستثمرين، حيث انخفض مؤشر ستاندرد أند بورز 500 بنحو 0.89% خلال أسبوع، وناسداك 100 بنحو 1%، بينما سجل مؤشر Euro Stoxx 50 تراجعاً بنسبة 2% خلال 5 أيام، ما يعكس المخاوف من تصاعد النزاعات التجارية وتأثيرها على النمو الاقتصادي العالمي.

لكن الأمر لا يقتصر على الرسوم الجمركية، بل يمتد إلى مسار سياسي واقتصادي أوسع، فأوروبا اليوم تواجه مفترق طرق استراتيجياً؛ إما البقاء ملتزمة بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة داخل المنظومة الأمنية للغرب، أو السعي نحو استقلال سياسي واقتصادي أوسع يسمح لها بإعادة تشكيل شراكاتها مع قوى أخرى، ولا شك أن الصين تأتي في صدارة هذه القوى.

فعلى الرغم من الروابط التاريخية بين أوروبا والولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، سجلت التبادلات الاقتصادية الأوروبية مع الصين نمواً مطرداً، ففي عام 2025 تجاوز حجم التبادل بين الاتحاد الأوروبي والصين 850 مليار دولار، ما يعادل تقريباً حجم التجارة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية قبل فرض الرسوم الجديدة، كما شكلت الاستثمارات الصينية في البنية التحتية الأوروبية جزءاً من مبادرة الحزام والطريق، ما عزز الروابط الاقتصادية بين بكين وعدد من الدول الأوروبية، مع نمو سنوي تجاوز 10% في بعض القطاعات الصناعية.

الأزمة الراهنة تظهر شرخاً استراتيجياً أعمق، فهي ليست مجرد خلاف دبلوماسي حول قطعة أرضية باردة في القطب الشمالي، بل انعكاس لصراع أوسع على النفوذ في النظام العالمي، في إطار تنافس أكبر بين الأقطاب الكبرى على الأمن والتجارة وسلاسل التكنولوجيا الحديثة.

إذا أخذنا هذه الخلفية في الاعتبار، فإن ما يحدث حول غرينلاند يمثل اختباراً لمدى قدرة أوروبا على تخفيف تبعيتها الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة، ومع أن أوروبا لا تزال بحاجة للولايات المتحدة في ملفات الأمن، خصوصاً في مواجهة روسيا، فإن سعي الاتحاد لتعزيز قدراته الدفاعية الذاتية وتوسيع التعاون التجاري مع الصين قد يشكل محوراً بديلاً في المستقبل القريب.

إن أزمة غرينلاند قد تكون مؤشراً مبكراً على مرحلة جديدة من إعادة توازن القوى العالمية، حيث ينذر التصعيد الحالي بين أوروبا والولايات المتحدة بانحسار عصر الهيمنة الأحادية في السياسة الدولية، والتحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، لا سيما إذا دفعت الضغوط الاقتصادية أوروبا نحو تنويع شراكاتها بعيداً عن الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 دقائق