المجتمع لم يُخلق ليكون مرآةً للعيوب، ولا منصةً لتوزيع الأحكام القاسية، بل فضاءً للفهم والاحتواء. فهو فنٌّ دقيق في التعامل، واختبارٌ يوميّ لمدى إنسانيتنا قبل ثقافتنا، ولرقيّ أخلاقنا قبل صلابة آرائنا.
فالمجتمعات لا تُقاس بما تحققه من مظاهر التقدّم وحدها، بل بما ترسّخه من وعيٍ وقيمٍ وإنسانية، وبكيفية مخاطبتها للإنسان حين يخطئ، وباللغة التي تختارها للإصلاح، لا تلك التي تُجيد بها نصب مقاصل الحكم على الآخرين.
إنّ أشدّ ما ينخر وعي الإنسان المعاصر ليس الخطأ ذاته، بل طريقة التعاطي معه؛ حين يتحوّل التصحيح إلى فضح، والنصح إلى توبيخ، والغيرة على القيم إلى قسوةٍ تُفرغ القيم من روحها. هنا بالضبط، تتراجع الرسالة، ويضيع المعنى، ويتحوّل الصواب إلى أداة نفور بدل أن يكون جسر هداية.
يروي التاريخ موقفاً بالغ الدلالة لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، حين رأى قوماً من بعيد يوقدون ناراً في الليل، فناداهم: "يا أهل الضوء"، ولم يقل "يا أهل النار".
لم يكن عمر يجهل اللغة، ولا يخطئ في الوصف، لكنه كان يدرك أن للكلمة ظلاً نفسياً، وأن اللفظ ـ وإن كان صحيحاً ـ قد يُسيء حيث لا يقصد، ويجرح حيث لا ينبغي.
هذا الموقف البسيط في شكله، العميق في جوهره، يكشف فلسفة أخلاقية متقدمة: أن من يحمل الأمانة حقاً لا يبحث عن صحة العبارة فقط، بل عن أثرها في النفوس. وأن الإنسان ليس مشروع تصحيح لغوي، بل كيان شعوري يستحق المراعاة.
في عالم اليوم، حيث تُلقى الكلمات بلا وزن، وتُستخدم الألفاظ كسلاحٍ في الجدل، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة هذا الوعي: أن نقول الصواب بأدب، وأن نختار اللين حتى ونحن نمتلك الحُجّة.
التربية بالاحتواء لا بالفضيحة
وفي مدرسة الرحمة ذاتها، يبرز موقف الحسن بن علي والحسين بن علي (رضي الله عنهما)، حين شاهدا رجلاً كبير السن يخطئ في الوضوء. لم يواجهاه بالتقريع، ولم يُشعراه بالدونية، بل لجآ إلى ذكاء أخلاقي راقٍ، حين قالا له: "نريدك أن تحكم بيننا، أيّنا لا يُحسن الوضوء"؟
فتعلّم الرجل وهو محفوظ الكرامة، وضحك وهو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة السياسة
