تكشف الأحداث المتسارعة في المشهد الدولي عن مرحلة دقيقة يُعاد فيها تشكيل موازين النفوذ، وأساليب التفاعل بين القوى الفاعلة، في ظل توترات متصاعدة يمكن رصدها في أسواق الطاقة، وحركة الاستثمارات، وتوازنات القوى . وبالرغم من تباعد الساحات الجغرافية تُظهر طبيعة ما يجري أن النظام الدولي بات مترابطاً بصورة تجعل أي اضطراب محلي متصلاً بمشهد عالمي أوسع تُعاد فيه صياغة قواعد العمل السياسي والاقتصادي والأمني. وضمن هذا الترابط المتزايد تتعرّض منظومات الاستقرار التقليدية لمراجعات هادئة وغير معلنة، تتقاطع مع اتجاهات كبرى تتمحور حول تحوّل البيئة الدولية نحو معايير جديدة للسلوك الدولي، وجدلية مستمرة بين المتطلبات الأمنية وخطط التنمية، وسط واقع متغيِّر يتجاوز تجارب العقدين الماضيين. وبين خيوط هذا المشهد المتداخل تتضح دلالات تشير إلى أن التحولات الجارية تمثل بدايات تبلور أنماط حوكمة عالمية جديدة ستؤثر في إيقاع العلاقات الدولية خلال السنوات المقبلة.
صعود منطق «الأمن الجيو-اقتصادي»
ما لا يمكن تبسيطه في المشهد الحالي هو تصوير التوترات بين القوى المحورية بصفتها خلافات شكلية أو مؤقتة، فالتقارير التي تتناول مستقبل الاقتصاد العالمي تشير إلى تحولات عميقة في مواقع الدول، خاصة النامية، داخل النظام العالمي، بين قوى متوسطة صاعدة تسعى إلى الجمع بين استمرار الضمانات الأمنية التقليدية من القوى الكبرى، وأخرى تتجه نحو استقلالية أكبر في القرارين الأمني والعسكري، مع إعادة تموضع محسوبة في أسواق الطاقة، وسلاسل التجارة والاستثمار. ويترافق ذلك مع اتساع مفهوم «الأمن» ليشمل أبعاداً اقتصادية ولوجستية وتقنية، بصفتها عناصر لا تقل تأثيراً عن اعتبارات القوة العسكرية التقليدية.
وبالتزامن تمضي برامج التحول الاقتصادي الطموحة في العديد من الدول النامية نحو إعادة هيكلة اقتصاداتها بعيداً عن الاعتماد الأحادي على الأنماط الريعية، عن طريق استثمارات موجهة للبنية الأساسية واللوجستيات والتكنولوجيا والخدمات المالية والسياحة والصناعات الجديدة. غير أن نجاح هذه البرامج يبقى مرهوناً باستقرار البيئة الإقليمية، والقدرة على التنبؤ باتجاهات أسواق الطاقة، وبقاء الممرات التجارية مفتوحة. وبمعنى آخر، فإن شرط الاستدامة التنموية يتطلب «أمناً جيو-اقتصاديّاً» يضمن انتظام تدفق الموارد والسلع ورؤوس الأموال، ويحدُّ من المفاجآت التي قد تعطل التخطيط الطويل المدى.
تحولات الاقتصاد العالمي ومخاطر عدم اليقين
تُعبِّر هذه العلاقة الممزوجة بمنافسة متنامية فوق قاعدة من التنسيق الإلزامي، عن توتر في أساليب إدارة المصالح، وتكشف عن هشاشة البنية التي يستند إليها النظام الاقتصادي العالمي، وتوحي أنه مقبل على تحولات ذات أثر مباشر في نظامَيْه الأمني والاقتصادي. ويبدو أن العالم يقف عند عتبة مرحلة انتقالية تبحث فيها الاقتصادات الصناعية والنامية عن قدر أكبر من الوضوح بشأن شكل البنية الجديدة للنظام الاقتصادي العالمي، ولا سيما ما يتعلق بقواعد إدارة الموارد، ومسارات التحول في الطاقة، واتجاهات سلاسل القيمة، وأطر التمويل والتجارة التي ستحدد مواقع الدول في المشهد الدولي المقبل.
تراجع الثقة بالأطر الدولية
في الفضاء الجيوسياسي العالمي الأوسع، تبدو بعض التدخلات العسكرية المباشرة التي تُقدِم عليها قوى دولية كبرى، كاشفةً عن مستوى أعمق من الاضطراب في بنية النظام الدولي، وعن تحول في الطريقة التي تُدار بها أدوات النفوذ، وتُفسر عبرها قواعد التفاعل بين الدول. ويبرز ذلك في حالات مثل التدخل الروسي في أوكرانيا، الذي أعاد إلى الواجهة منطق مناطق النفوذ، واستخدام القوة خارج أطر التوافق الجماعي، وكذلك في العمليات العسكرية الأميركية في سوريا والعراق التي نُفِّذت استناداً إلى تفسيرات موسعة لحق الدفاع عن النفس من دون تفويض أممي صريح. وقد أسهمت هذه النماذج في تغذية نقاشات عالمية واسعة بشأن مدى اتساق مثل هذه العمليات مع مبادئ النظام المتعدد الأطراف، ولا سيما ما يتصل بشرعية استخدام القوة وحدودها خارج إطار التفويض الجماعي.
وما يضفي على هذه التطورات حساسية أكبر هو محدودية المواقف العملية الصادرة عن بعض القوى الغربية المعنية، إذ باتت تكتفي غالباً ببيانات تعكس تحفظاً عاماً من دون إجراءات فعلية، بما يُنتج انطباعاً بأن تطبيق القواعد الدولية يتأثر بموازين النفوذ أكثر مما يتأثر بالمعايير المتفق عليها. وفي قراءة أوسع يمكن النظر إلى ما.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
