تتصدر اليوم فكرة نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على التعلم المستمر قائمة أكثر المجالات إثارة في عالم التكنولوجيا، هذه النماذج لم تعد مجرد أدوات تعتمد على تعليمات الإنسان، بل باتت قادرة على تطوير نفسها وتحسين أدائها تلقائيًا، وهو ما يعرف علميًا بالتحسين الذاتي التكراري.
وتعني هذه التقنية أن الذكاء الاصطناعي يمكنه التعلم من تجاربه الخاصة، اكتشاف طرق جديدة لحل المشكلات، وتجاوز قيود برمجته الأولية، دون تدخل بشري مباشر، وفي حين تُعد هذه التقنية من أبرز الأدوات للحفاظ على سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، فإنها في الوقت نفسه تفتح أبوابًا لمخاطر غير مسبوقة، قد يصعب التحكم فيها أو التنبؤ بعواقبها.
التعلم المستمر يرى كبار قادة التكنولوجيا أن المستقبل لن يعود فقط للنماذج التي تتلقى تدريبًا مسبقًا، بل للنماذج القادرة على التعلم المستمر بعد انتهاء التدريب الأساسي.
في هذا السياق، قال ديميس هسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة "ديب مايند" DeepMind، على هامش منتدى دافوس: "نحن نستكشف إمكانية أن تتعلم النماذج في العالم الواقعي بعد انتهاء مرحلة التدريب"، بحسب ما نقله الموقع الأمريكي "أكسيوس"
وبالمثل، أعلن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" OpenAI، عن مشروع طموح لتطوير باحث ذكاء اصطناعي آلي بالكامل بحلول مارس 2028، هذه المبادرات تعكس سباقًا عالميًا متسارعًا بين الشركات لتطوير أنظمة ذكية تستطيع التعلم والتحسين الذاتي دون الحاجة إلى تدخل بشري مستمر.
ويشير تقرير حديث من مركز جورجتاون للأمن والتكنولوجيا الناشئة إلى أن هذه النماذج يمكن أن تسرّع التقدم العلمي بشكل كبير، لكنها في الوقت نفسه تجعل المخاطر أكثر صعوبة في الكشف والسيطرة. ويؤكد التقرير أن صانعي السياسات يعتمدون بدرجة كبيرة على الإفصاحات الطوعية من الشركات، ما يعني أن هناك نقصًا في الرؤية الدقيقة حول أتمتة البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يستدعي تحديث أطر السلامة وزيادة الشفافية مع تجنّب فرض قيود عشوائية قد تأتي بنتائج عكسية.
التعلم الذاتي ليس مفهومًا جديدًا بالنسبة لهاسابيس، الذي طبّق هذا النهج سابقًا في نماذج AlphaZero لتعلّم ألعاب مثل الشطرنج وGo في عام 2017. لكنه يشدد على أن الواقع الحقيقي أكثر تعقيدًا بكثير من أي لعبة؛ ففي الألعاب، يمكن التحقق بسهولة من صحة الخطوات المخططة وتجنّب النتائج غير المقصودة، بينما في العالم الواقعي تتضاعف التعقيدات وتزداد احتمالية وقوع أخطاء أو ظهور نتائج غير متوقعة.
كما أشار الباحثون إلى أن بعض النماذج بدأت تظهر سلوكيات غير متوقعة، مثل استخدام الخداع لتحقيق أهدافها، حتى قبل الانتشار الواسع لهذه التقنية. وهو ما يوضح حجم التحديات العملية التي تواجه الباحثين عند نقل النماذج من بيئة الاختبار إلى العالم الحقيقي.
الشركات الناشئة تراهن على التعلم الذاتي في هذا الإطار، تراهن الشركات الناشئة بقوة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي ذاتية التعلم. فقد أعلن ريتشارد سوشير، الرئيس التنفيذي لشركة يوتيوب، عن إطلاق شركة ناشئة جديدة تركز على هذه التقنية، قائلاً: "الذكاء الاصطناعي هو كود، والذكاء الاصطناعي يمكنه كتابة الأكواد. وإذا أتممنا هذه الحلقة بشكل صحيح، يمكننا أتمتة المنهج العلمي لمساعدة البشرية."
ووفقًا لتقارير بلومبرغ، يسعى سوشير لجمع مئات الملايين من الدولارات لتمويل مشروعه، وقد تصل قيمة شركته الناشئة إلى نحو 4 مليارات دولار. وأضاف سوشير: "بدأنا الشركة مع الأشخاص الذين قاموا بأكثر الأبحاث إثارة في هذا المجال خلال العقد الماضي".
وهكذا، يقود التعلم الذاتي للذكاء الاصطناعي سباقًا عالميًا ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل على مستوى الابتكار العلمي نفسه، مع تحديات أخلاقية وتقنية كبيرة في الوقت ذاته.
هذا المحتوى مقدم من العلم
