لما دخل الرجلُ فى حلته الكاملة متباهيًا، يُحيط به جمعٌ من الأعوان والحرَّاس؛ توالت تعقيباتُ الحاضرين، فرفعت درجةَ الحرارةَ حدَّ الغليان: بعدما نجح فى انتخاباتِ النادى لحَس وعوده. زادت الاشتراكاتُ والتجديداتُ ومَثلت عبءً ماليًا مضافًا على الأعضاء. ليتنا ما أعطيناه أصواتنا، ظنناه إنسانًا حليمًا مُراعيًا للظروف؛ فاتضح أنه مُمثلٌ قدير. أشاحت سيدةٌ فى أواسط العمر بيدها وخفضت صوتَها هامسة: "يا ما تحت السَّواهى دواهي" فأمَّن بعض الجالسين على تعليقها، وتعالت ضحكاتُ أخرين.
السَّواهى صفةٌ مفردها ساهٍ أي؛ غافل لا ينتبه، أما الدواهى فجمع داهية أي؛ الشَّخص الخبيث الماكِر، القادر على المُناورة والتنكر، والتناقضُ بين المفردتين فى الأمثولة الشعبية الأصيلة؛ يعكس فداحة الخدعة التى تعرَّض لها القائل.
بعضُ الأحيان يصطنع الواحد ما ليس فيه؛ إلى أن يأنس له الناسُ ويعتقدوا أنهم قد خبروه وأنه الأجدر بقيادتهم وتوجيههم، فما إن يمتلك الزمامَ ويُخضِعهم لإمرته؛ حتى تظهر حقيقته، ولا غضاضة حينها أن يقهرَهم وينكل بهم، والعادة أن يُقال: "اتمَسكِن لحد ما اتمكن". المَسكنةُ سلوكٌ مألوف؛ يلجأ صاحبُه لادعاء الضَّعف إلى أن تدين له الظروف؛ فينفض عنه الدعةَ ويُبرِز مخالبَه.
أذكر فى أحد الاختبارات الشفاهية بكلية الطِب، أن سألنى المُمتحِن سؤالا أخيرًا على سبيل المُمازَحة؛ حول إمكانية التعرُّف على المُجرم من صورته وصفاته التشريحيَّة. ردَدت حينها بمثاليةٍ صادقة، مؤكدة أن الحكم على أيّ شخص لا يمكن أن يعتمدَ على تركيب ملامِحه. أخطأت ومضيت لاحقًا أبحث وأقرأ، واستوعِب مُحصلة الدراسات التى أجراها العالم الشهير لامبروزو؛ حتى أدركت أن المظهرَ قد يترجم بعض المرات الجَّوهر؛ لكنى احتفظت لنفسى بهامش شك، وبمساحة انحياز لمَن استوت ملامحه على غير المُشتهى دون جريرة.
تذكر الأجيالُ التى عاصرت إسماعيل ياسين، دورَ الشاويش عطية الذى أداه الفنان رياض القصبجى ببراعة واقتدار؛ فأضحك المتفرجين متجاوزًا ملامحه الجَهِمة التى تشى بغلظة القلب، والظنُّ أن حياتَه كانت مأساوية إلى حد بعيد؛ إذ يُقال إنه مَرض ولما مات تعذَّر دفنه فورًا لفقر عائلته، ولم تُعرَف عنه فى أيّ لحظة رغم الظروف الصعبة؛ حدةُ الطبع أو فجاجةُ المَسلك.
تتألف الحواسُّ الخمس المَعروفة من اللمس والشمّ والتذوُّق والسَّمع والإبصار؛ جميعها قد يختلُّ لسبب أو آخر ويُصاب بالعطب فيخطئ، أما الحاسَّة السَّادسة التى بحث أمرَها العلماءُ واستلهم أثرَها فنانون وأدباء؛ فلعلها الأكثر غموضًا، وفى أحوال متباينة الأدق تنبؤًا والأوفر صدقًا. ثمَّة مَقولة تُنسَب لعليّ بن أبى طالب نصُّها: "للناسِ ظاهرٌ والمَظاهر تخدع؛ فلا تحكمَّن بالذى ترى وتسمَع"، والقصد أن هناك دومًا ما توارى عن العين والأذن وفيه حلَّ المشكل وبيت القصيد، والأصوب أن يتقصاه الواحد ويسعى لسَبر أغواره.
تُميّز الملامحُ الطفولية بعضَ الأشخاص فتضفى عليهم مظهرًا بعيدًا عن الحقيقة. يتقدَّم بهم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
