على مدى ما يقارب نصف قرن، ظللتُ أؤكد في كتاباتي ولقاءاتي، أن الهند ليست مجرد دولة آسيوية كبرى، بل هي قوة صاعدة تحمل في داخلها إمكانات اقتصادية واستراتيجية هائلة، وأن تجاهل هذه الحقيقة أو التقليل من شأنها يفوّت على دول الخليج العربية فرصًا تاريخية للتنوع والشراكة وبناء مستقبل اقتصادي أكثر توازنًا. ومن هذا المنطلق جاء حرصي المبكر على الدعوة إلى تطوير العلاقات الخليجية الهندية، كما جاءت مبادرتي المتواضعة للمشاركة في تأسيس «الجمعية البحرينية الهندية»، التي ما تزال قائمة حتى اليوم، إيمانًا مني بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط عبر القنوات الرسمية، بل أيضًا من خلال الجسور الثقافية والاقتصادية والمجتمعية.
اليوم، ومع توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الهند ودول الاتحاد الأوروبي، نجد أنفسنا أمام تطور بالغ الأهمية لا يخص طرفي الاتفاق وحدهما، بل تمتد آثاره إلى دوائر أوسع، وفي مقدمتها منطقة الخليج العربي. فهذه الاتفاقية، التي وُصفت بأنها واحدة من أكبر الاتفاقيات التجارية في العالم من حيث الحجم والنطاق، تعكس تحوّل الهند إلى عقدة مركزية في الشبكة الاقتصادية الدولية، وتؤكد أن العالم بات ينظر إليها باعتبارها شريكًا لا يمكن تجاوزه في معادلات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا.
وقد توصل الفريقان إلى هذه الاتفاقية بعد نحو عقدين من المفاوضات المتقطعة، وتهدف إلى تقليص الحواجز التجارية بين أكبر ديمقراطيتين في العالم، وواحدة من أقوى الكتل الاقتصادية على النطاق الدولي. وتغطي الاتفاقية منطقة تجارة حرة تضم حوالي ملياري شخص وتُمثل نحو 25 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وثلث التجارة العالمية.
وليس من الصواب أن يُنظر إلى هذا الاتفاق على أنه منافس للعلاقات الهندية الخليجية أو بديل عنها. على العكس تمامًا، هو اتفاق يعزز من قيمة الهند كشريك اقتصادي، وكلما تعاظمت مكانة الهند عالميًا، زادت أهمية من يرتبط بها، وفي مقدمتهم دول مجلس التعاون الخليجي.
فالهند بالنسبة للخليج ليست مجرد سوق تصدير أو استيراد، بل شريك استراتيجي متكامل الأبعاد؛ فهو مصدر رئيسي للأيدي العاملة بمختلف تخصصاتها، وشريك أساسي في الأمن الغذائي، ووجهة استثمارية واعدة، وسوق ضخم للبتروكيماويات والطاقة والمنتجات الخليجية.
أما الاتحاد الأوروبي، فهو شريك صناعي وتكنولوجي متقدم، وبذلك تتشكل أمامنا ملامح «مثلث اقتصادي استراتيجي». أوروبا بالتكنولوجيا والمعايير الصناعية، الهند بالتصنيع والسوق والعمالة، والخليج بالطاقة والتمويل والموقع الجغرافي.
هذا المثلث يمكن أن يتحول إلى واحدة من أقوى شبكات التعاون الاقتصادي في العالم خلال العقد المقبل.
إن الاتفاقية الأوروبية الهندية ستعزز، دون أدنى شك، مكانة الهند كمركز صناعي وتجاري عالمي، وستجذب إليها مزيدًا من الاستثمارات في قطاعات التصنيع المتقدم، والتكنولوجيا، والطاقة النظيفة، والدواء، والاقتصاد الرقمي. وهذا التطور يفتح أمام دول الخليج العربية فرصة مضاعفة؛ ليس فقط للتجارة مع الهند، بل للشراكة معها في الصناعات الموجهة إلى السوق الأوروبية.
بمعنى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة البلاد البحرينية
