الفوترة الإلكترونية.. رهان حكومي لتعزيز الحصيلة الضريبية في تونس. تبدأ تونس مرحلة جديدة باعتماد الفوترة الإلكترونية كآلية إلزامية ووحيدة للاعتراف بالفواتير لأغراض جبائية، ضمن مساعي الحكومة لمكافحة التهرب الضريبي وتعزيز الشفافية عبر منصة رقمية موحدة.. يرى خبراء أن الخطوة تمثل إصلاحاً جذرياً، فيما يدعو آخرون إلى تطبيق تدريجي يراعي تفاوت الجاهزية الرقمية بين المؤسسات، مع توفير دعم تقني ومالي للصغرى منها.. يأتي هذا التوجه في ظل تقدير العائدات الجبائية غير المستخلصة بنحو 5.2 مليار دينار، ما يعادل 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بسبب استمرار التهرب الضريبي.. التفاصيل في

تشهد تونس مرحلة جديدة في المعاملات التجارية، مع بدء اعتماد الفوترة الإلكترونية كآلية إلزامية ووحيدة للاعتراف بالفواتير لأغراض جبائية.

ويرى خبراء في حديث لـ«إرم بزنس» أن هذا التحول ضمن مساعي الحكومة لإصلاح جذري في عملية إصدار الفواتير وتبادلها والاعتراف بها، عبر منصة إلكترونية موحدة تشرف عليها الدولة وتشمل جميع الشركات ومزودي الخدمات والتجار والمهنيين لمكافحة التهرب الضريبي وزيادة حصيلة الضرائب.

فيما اقترح آخرون تأجيل الإلزام الشامل إلى حين استكمال البنية التحتية الرقمية، واعتماد مسار تدريجي يراعي اختلاف القدرات بين المؤسسات، وإطلاق برنامج دعم تقني ومالي للمؤسسات الصغرى.

ويأتي هذا الإجراء في وقت يقدر فيه حجم العائدات الجبائية غير المستخلصة في تونس بنحو 5.2 مليار دينار (1.8 مليار دولار)، أي ما يعادل 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، نتيجة استمرار التهرب الضريبي، وفقاً لدراسة نشرها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية (حكومي) في ديسمبر الماضي.

ضريبة الثروة في تونس.. محاولة لتخفيف عبء الدين العام

المسار التشريعي

ويوضح المستشار المالي محمد صالح العياري التطور الجديد في حديث مع «إرم بزنس» بقوله إن القراءة التاريخية للتطور التشريعي للفوترة الإلكترونية تظهر أن التجربة بدأت في عام 2016 بخطوات تدريجية حذرة.

وأشار العياري إلى أنها كانت قائمة على الاختيار والترغيب قبل الإلزام والترهيب، حيث اقتصر التطبيق في مرحلته التجريبية على كبار المكلفين الذين يفوق رقم معاملاتهم 20 مليون دينار (7 ملايين دولار)، والذين يتعاملون مع المناقصات العمومية، ثم توسع النطاق تدريجياً بموجب قانون 2019 ليشمل قطاعي الأدوية والمحروقات.

وأوضح أن المنعطف الحاسم جاء مع قانون المالية لسنة 2026، الذي قرر القفز من التطبيق التدريجي إلى التعميم الشامل والسريع، بما يعني إعلاناً لدولة جديدة، تتعقب كل عملية، وتحول التجارة من فعل ثقة بين طرفين إلى فعل مراقبة تحت سقف منصة واحدة،.

وأكد أن القانون أرسى ثلاثة مبادئ للقطاع الخاص وهي الإلزامية المطلقة، والوحدة حيث لم يعد مقبولاً أي وثيقة أخرى، والمركزية الشديدة عبر منصة وحيدة تشرف عليها (Tunisie Trade Net TTN) الشبكة التونسية للتجارة.

الدينار التونسي مقابل الدولار الأميركي في تونس العاصمة يوم 13 يوليو 2022

الواقع الاقتصادي

ويشير خبير الضرائب أنيس بن سعيد في حديث مع «إرم بزنس» إلى أن الاقتصاد التونسي يمر بمرحلة حرجة، تتسم بتراجع النمو 2.4% واتساع عجز الموازنة بقيمة 11 مليار دينار (3.8 مليار دولار) وارتفاع المديونية، وتظهر الفاتورة الإلكترونية كحل سحري في الخطاب الرسمي لمواجهة التهرب الضريبي الذي تقدر نسبته بحوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويعتبر «بن سعيد» أن النظرة الرسمية تركز على الجوانب الإيجابية وهي محاربة الاقتصاد الموازي، وتحسين تحصيل الضرائب، وخلق بيئة أعمال أكثر شفافية، الأمر الذي يمكن أن يسهم فعلياً في زيادة الحصيلة الضريبية التي نمت بنسبة 6.6% خلال عام 2025 لتصل إلى 44.52 مليار دينار، لكنه أشار إلى أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي تشكل أكثر من 90% من النسيج الاقتصادي وتوفر الجزء الأكبر من فرص العمل، تجد نفسها في موقف صعب.

أصوات معارضة

ومن ناحية أخرى، أثار بدء تطبيق الفاتورة الإلكترونية موجة من الجدل والرفض، فظهرت أصوات قوية ومتماسكة من داخل النقابات المهنية، لا سيما نقابتا أطباء القطاع الخاص والمحامين، اللتان رفعتا شعار المعارضة الواعية للقرار، واتخذت هذه النقابات موقفاً صارماً بالرفض، ويدفع باتجاه تعليق العمل بها جملة وتفصيلاً، مشددةً على أن الحل لا يكمن في فرض الإجراء بقوة القانون، بل في إعادة فتح الحوار الوطني الجاد الذي يحترم خصوصية المهن ويراعي ظروف الممارسين.

فالأطباء من جانبهم يحذرون من أن تحويل الملف الطبي ومعلومات المرضى إلى بيانات رقمية تمر عبر منصة مركزية حكومية يمس جوهر سر المهنة الذي يعتبر حجر الزاوية في الثقة بين الطبيب والمريض. ولا يتعلق هذا الخوف بالشفافية المالية فحسب، بل يمتد إلى معضلة حماية الخصوصية في عصر الرقمنة.

ويرفض المحامون المساواة بين الفاتورة التجارية التقليدية ومذكرات الأتعاب التي تصدر عن مكاتبهم، معتبرين إياها وثائق قانونية لها طبيعة خاصة وخصوصية إجرائية لا تتوافق مع النموذج العام للفوترة الإلكترونية، مما يجعل إدراجها تحت نفس المظلة الجبائية إجحافا في حق المهنة.

تطبيق مرن

ويوضح العياري أن بداية التطبيق كانت محطة كاشفة لهشاشة النظام، فالمنصة الرسمية (TTN) انهارت في الرابع من يناير تحت وطأة الطلب الجماعي، مشيراً إلى أن الأرقام تتحدث عن نفسها، فالطاقة الاستيعابية لا تتجاوز 500 ألف معاملة يوميا، في حين أن الاحتياجات الفعلية تفوق 1.5 مليون معاملة، لذلك أصبحت الاستجابة بطيئة، مما أدى للتوقف المتكرر، بالإضافة إلى عدم التوافق مع البرامج المحاسبية المحلية، وكلها عوامل حولت النظام من أداة تسهيل إلى عقبة يومية.

تونس.. تراجع معدل الفائدة في السوق النقدية إلى 7.08% خلال يناير

احتواء مشاكل التطبيق

وفي محاولة من الحكومة التونسية لاحتواء المشكلات التي ظهرت فور التطبيق الفعلي للنظام الجديد، قدمت وزارة المالية توضيحات جديدة بخصوص الفاتورة الإلكترونية.

وأكدت الوزارة، في بيان الثلاثاء 13 يناير، اعتماد مقاربة مرنة وتدريجية لتفادي الصعوبات التي قد تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة وبعض القطاعات الحساسة، إضافة إلى احتمال حصول اضطرابات في النفاذ إلى المنصّات الرقمية، ويهدف هذا التوجه إلى ضمان استمرارية النشاط الاقتصادي وتفادي أي انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني.

جاء ذلك بعد لقاء الرئيس التونسي قيس سعيد مع وزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي تناول موضوع الفوترة الإلكترونية التي نص عليها قانون المالية.

وأكد الرئيس التونسي أن غياب المنصات الإلكترونية بالنسبة إلى العديد من المؤسسات الصغرى والمتوسطة وعدد من النشاطات الأخرى يقتضي التعامل بمرونة حتى يتم تجنب الاضطراب والإرباك وما يمكن أن يترتب عليهما من نتائج غير محمودة على الوضع الاقتصادي بوجه عام، وإعداد هذه المنصات هو المقدمة حتى يجد هذا الإجراء طريقه إلى التطبيق.

وخلال العام الماضي، حققت الإيرادات الجبائية (الضريبية) نمواً بنسبة 6.6%، لتصل إلى 44.52 مليار دينار، بدعم من تطور إيرادات الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وفقاً لوزارة المالية التونسية.

وتتوقع الحكومة التونسية، بحسب قانون المالية لسنة 2026، ارتفاع الإيرادات الضريبية إلى 47.7 مليار دينار، بنسبة نمو 5.6% مقارنة بالعام الماضي.

التحديات البنيوية

ويرى خبير الضرائب أنيس بن سعيد أن المشكلة الحقيقية تتجاوز الجانب التقني لتصل إلى صميم العلاقة بين الدولة والمجتمع الاقتصادي، فهناك أزمة ثقة تاريخية، حيث ينظر كثير من أصحاب المؤسسات إلى الإجراءات الجبائية كوسيلة عقاب لا كآلية لتمويل الخدمات العامة، والفاتورة الإلكترونية، وفي هذا السياق، تظهر كأداة مراقبة إضافية، لا كخدمة تسهيلية.

ومع ذلك يعتبر «بن سعيد» أنه بالرغم من كل التحديات، تبقى الفاتورة الإلكترونية خيارا استراتيجيا لا مفر منه في عالم يتجه بسرعة نحو الرقمنة الشاملة.

ويقترح الخبير الجبائي تأجيل الإلزام الشامل إلى حين استكمال البنية التحتية الرقمية، واعتماد مسار تدريجي يراعي اختلاف القدرات بين المؤسسات، وإطلاق برنامج دعم تقني ومالي للمؤسسات الصغرى، والبدء في حوار وطني شامل مع كل الأطراف المعنية لوضع رؤية مشتركة للإصلاح الضريبي بما يمكن من زيادة الحصيلة مع مراعاة الظروف الاقتصادية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 53 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 20 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 21 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 46 دقيقة
صحيفة الاقتصادية منذ ساعتين