منذ مطلع التسعينيات، بدأت الأغنية الخليجية تدخل مرحلة تحوّل مفصلية، لم يكن عنوانها تغيّر الأصوات أو الموضوعات فقط، بل إعادة تعريف العلاقة بين اللحن والصوت، مع تطوير بنية الأغنية الخليجية. ففي تلك الفترة، خرج دور الموزّع الموسيقي من كونه وظيفة تقنية ملحقة بالملحن، ليصبح فاعلًا أساسيًا في صياغة هوية الأغنية، ومهندسًا لمساحتها السمعية والعاطفية.
هذا التحوّل لم يحدث في فراغ. فمع توسّع صناعة الموسيقى الخليجية، وازدياد حضورها عربيًا، بدا التأثر بالتجارب المصرية واللبنانية واضحًا، خصوصًا فيما يتعلق بالتوزيع الموسيقي. هنا تحديدًا، دخل عدد من الموزّعين العرب إلى المشهد الخليجي، حاملين معهم خبرات متراكمة من العمل مع نجوم الطرب العربي، وتجارب إنتاجية أوسع، وأساليب توزيع كانت لا تزال جديدة على الأغنية الخليجية.
هؤلاء الموزّعون لم يأتوا ليغيّروا هوية الأغنية الخليجية، بل ليكشفوا إمكاناتها. فتحوا لها نوافذ على الطرب الأوركسترالي، وعلى التوزيعات الحديثة، وعلى علاقة أكثر وعيًا بين الصوت والموسيقى. في هذا السياق، يمكن تتبع أثر أسماء عربية لعبت دورًا محوريًا في هذا التحوّل، وأسهمت في رسم ملامح الأغنية الخليجية منذ التسعينيات وحتى اليوم:
طارق عاكف: قبل حضوره المؤثر في الخليج، كان طارق عاكف قد رسّخ اسمه كموزّع موسيقي قادر على تطويع الأوركسترا لصناعة أغنية موسيقية طربية حديثة، جاء في مطلع التسعينيات لتقف في وجه تيار الأغنية الشبابية في مصر، التي كانت قد سيطرت على السوق في الثمانينيات. كانت العلامة الفارقة أغنية "بتونس بيك" لوردة الجزائرية من ألحان صلاح الشرنوبي؛ التي فتحت شهية النجوم العرب على هذا اللون الموسيقي الطربي، ليكون طارق عاكف وصلاح الشرنوبي الاسمان الأكثر تأثيرًا في الموسيقى العربية في التسعينيات في مصر ولبنان والخليج العربي.
طارق عاكف لعب الدور الأبرز بتطوير توزيعات الأغنية الخليجية في مطلع التسعينيات، حين نقل مفهوم التوزيع الطربي الأوركسترالي إلى الأغنية الخليجية، ليعيد صياغة العلاقة بين المطرب والفرقة الموسيقية، ومنح المساحات اللحنية امتدادًا أوسع، ونَفَسًا طربيًا أقرب إلى المدرسة الكلاسيكية المصرية.
أثر طارق عاكف لم يكن فقط في الأغاني التي وزّعها، بل في الذائقة التي ساهم في تشكيلها. فتح الباب أمام تقبّل التوزيع الأوركسترالي في الخليج، ومهّد لمرحلة باتت فيها الأغنية الخليجية قادرة على حمل جمل موسيقية طويلة، وانتقالات هارمونية أكثر تعقيدًا، من دون أن تفقد هويتها المحلية. وذلك من خلال تعاونات مع أبرز نجوم الأغنية الخليجية بتلك الفترة، بمن فيهم راشد الماجد عبد المجيد عبدالله ونبيل شعيل وغيرهم. وقد شكّل التعاون مع طارق عاكف نقلة لكل واحد منهم. ولاسيما راشد الماجد، الذي افتتح التعاون معه بأغنية "المسافر".
x
حميد الشاعري دخل حميد الشاعري إلى الأغنية الخليجية في التسعينيات بعد أن كان الموزع الموسيقي النجم، الذي ساهم بتغيير معالم الأغنية المصرية في الثمانينيات؛ ليأتي إلى الخليج حاملًا معه إرث الأغنية الشبابية المصرية، وإيقاع المقسوم الذي شكّل العمود الفقري لتجربته. في تلك المرحلة، قدّم حميد الشاعري عددًا من التجارب الخليجية التي اعتمدت على هذا الإيقاع، في محاولة لحقن الأغنية الخليجية بطاقة حركية جديدة، بما يتماشى مع التحولات التي كانت تشهدها صناعة الموسيقى العربية عمومًا.
غير أن هذه التجارب، على أهميتها، ظلّت في معظمها أقرب إلى إسقاط تجربة جاهزة على لهجة مختلفة؛ كأغنية "أجيلك شوق" لذكرى. المقسوم حاضر بروحه المصرية، مُعاد تلوينه شكليًا، من دون أن يُنتج بعدُ هوية خليجية شبابية مستقلة. كانت الأغنية تتحرك أسرع، نعم، لكنها لم تكن قد غيّرت جلدها بالكامل، ولا تزال أسيرة منطق الاستيراد أكثر من الابتكار.
التأثير الحقيقي لحميد الشاعري على الأغنية الخليجية جاء مع مطلع الألفينيات، حين التقى بالفنان محمد المازم في لحظة بحث متزامنة عن لغة جديدة. هنا، لم يعد المقسوم قالبًا جاهزًا، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل. الأغنية الخليجية الشبابية التي وُلدت في هذا التعاون لم تكن نسخة خليجية من الأغنية الشبابية المصرية في الثمانينيات، بل صيغة مختلفة في المزاج والبناء والهوية؛ أخف إيقاعًا، أكثر بساطة في الجملة اللحنية، وأقرب إلى روح الجيل الجديد في الخليج، من دون التفريط باللهجة أو الإحساس المحلي؛ لتكون أغنية "الطلة" علامة فارقة وضعها حميد الشاعري في بناء الأغنية الخليجية.
x عصام الشرائطي يُعد الموزع الموسيقي التونسي عصام الشرائطي في ألبوم "مليون خاطر" تعاون عبد المجيد عبدالله مع العديد من الموزعين الموسيقين العرب، مع رغبة واضحة بالتغيير، فإلى جانب عصام الشرائطي تعاون مع خالد عز وتوما، ليدخل مرحلة جديدة من مسيرته، لم تكن قطيعة مع تاريخه، بل إعادة صياغة هادئة لصوته وموسيقاه.
الشراكة الأنجح كانت مع عصام الشرائطي، الذي عرف كيف يتعامل مع صوت عبد المجيد عبدالله كحالة فنية لها وزنها وذاكرتها. فعمل على تطوير البنية الموسيقية للأغنية الخليجية الرومانسية من الداخل: توسيع دور الوتريات، إعادة التفكير في الفواصل الموسيقية، وإدخال عناصر غربية ناعمة، كالجيتارات والسينثات الرقيقة، من دون أن تتحول إلى زينة عابرة أو خروج عن الروح الطربية التي تشكّل جوهر تجربة عبد المجيد عبدالله؛ الذي جاءت العديد من هيتاته المتأخرة بتوقيع عصام الشرائطي، مثل "يا ابن الأوادم" و"أنا أضحك".
ما يميّز أثر الشرائطي هنا هو هذا التراكم البطيء والمدروس. فالتجديد لم يأتِ كقفزة صادمة، بل كتطوّر تدريجي جعل المستمع يعتاد على التحوّل من دون أن يشعر بأن الأغنية فقدت ملامحها. واستطاع عصام الشرائطي خلال تجربته الموسيقية في الأغنية الخليجية أن يكون ركيزة أساسية بمشروع أبرز النجوم في العقدين الأخيرين، بمن فيهم حسين الجسمي وعايض، بالإضافة للنجوم الأقدم والأكبر مثل رباح صقر وراشد الماجد وحتى محمد عبده.
x عمر الصباغ: يُعد عمر الصباغ من أكثر الموزّعين غزارة في الإنتاج داخل الأغنية الخليجية خلال السنوات الأخيرة، وحضوره الكثيف لم يأتِ بوصفه تكرارًا لصيغة ناجحة، بل نتيجة مسار طويل بدأ خارج الخليج. منذ نحو عام 2010، ترك الصبّاغ بصمة واضحة في البوب ليفانتين من خلال تعاوناته مع آدم ووائل كفوري وناصيف زيتون وملحم زين، حيث تبلورت لغته التوزيعية القائمة على الدراما الموسيقية، والتصاعد العاطفي، وبناء الجملة بما يخدم الصوت أولًا.
حين انتقل إلى الأغنية الخليجية، لم يتخلَّ الصبّاغ عن هذه الخلفية، لكنه أعاد توجيهها. بدل استيراد أسلوب جاهز، تعامل مع التراث الخليجي بوصفه مساحة مفتوحة للتنويع؛ في كل تجربة، بدا وكأنه ينقّب داخل الإيقاعات والجُمل المألوفة ليعثر على عنصر يمكن تجديده من الداخل. ونجح بالفعل بترك بصمة مع أغلب النجوم الذين تعاون معهم، ولاسيما أميمة طالب، التي تعتبر أكثر من تعاون معها من بين نجوم الأغنية الخليجية، ولحّن لها 21 أغنية حتى الآن، بما فيها: "الساعة كم" و"بشتك" و"جانب خفي" وغيرها.
x
جلال الحمداوي: لم يأتِ حضور جلال الحمداوي في الأغنية الخليجية من فراغ، بل كان امتدادًا طبيعيًا لتحوّل أوسع قاده في البوب المغربي خلال منتصف العقد الماضي. نقطة الانطلاق المفصلية كانت مع أغنية "إنت معلم" لـ سعد لمجرد، التي كتبها ولحّنها ووزّعها بنفسه، ونجح من خلالها في إعادة تعريف الأغنية الشعبية المغربية ضمن قالب عصري، بسيط في بنيته، شديد الالتصاق بالإيقاع، وقابل للانتشار العابر للحدود. هذا النجاح لم يغيّر مسار سعد لمجرد وحده، بل لفت الأنظار سريعًا إلى اسم الحمداوي كموزّع قادر على الإمساك بنبض الشارع وصياغته موسيقيًا بلغة حديثة.
من هنا، بدأ انتقاله إلى السوق العربية الأوسع، أولًا عبر مصر، حيث شكّل تعاونه مع رامي صبري بوابة مهمة، قبل أن تتسع الدائرة باتجاه الخليج. في تجربته الخليجية، حمل الحمداوي هذا الحس الشعبي نفسه، لكن من دون إسقاط جاهز. اشتغل على الإيقاع الخليجي بوصفه مادة حيّة قابلة للتحديث، محافظًا على بساطته ووضوحه، مع إنتاج عصري يجعل الأغنية قابلة للأداء الحي والانتشار الإذاعي في آن. هكذا، بدا حضوره جزءًا من موجة أوسع أعادت للأغنية الخليجية خفّتها وحركتها، من دون أن تفقد صلتها بجمهورها، ليبرز اسمه مع أغاني مثل "دبلوماسي" لبلقيس و"لبى غلاك" لأصيل هميم و"مصلحتك" لفهد الكبيسي؛ لتكون توزيعاته الموسيقية ركيزة في أغاني جيل جديد من نجوم الخليج العربي.
x
هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية
