افتتح مسلم إصداراته في عام 2026 بأغنيته المنفردة الجديدة "قلبي ما بيهداش". الأغنية على غرار أغاني مسلم الأقدم، من كلماته وألحانه، ومن توزيع إسلام شوقي.
تستعيد "قلبي ما بيهداش" بشكل واضح روح أنجح محطات مسلم السابقة، "اتنسيت"، التي كانت قد صدرت ضمن فيلم "عروستي"؛ حيث يعود مسلم إلى مساحة الأغنية الدرامية الغارقة بالحزن. إنه لا يُكرر التجربة ولكنه يستعيد طبقة الصوت ذاتها ويذهب أبعد في تعميق الشجن، وتقديم حالة أكثر انكسارًا وهدوءًا.
الألم كحالة ممتدة لدى مسلم
تبدأ "قلبي ما بيهداش" بصوت كمنجة وحيدة، حزينة وممتدة، لا تمهّد لشيء بقدر ما تلقي بالمستمع مباشرة داخل الحالة. يدخل مسلم بصوت متهدّج، مشبع بالميلانكوليا، متناغمًا مع الكمنجة، صوته جزء من النسيج اللحني لا عنصرًا منفصلًا عنه.
تتحرّك الأغنية داخل حالة فقد واضحة، لا تُبنى على حدث بعينه بقدر ما تقوم على ما بعده. الكلمات لا تصف لحظة الانفصال، بل تدور حول تبعاته النفسية، حين يصبح الغياب اختبارًا يوميًا.
بنية الأغنية تقوم على تصاعد تدريجي مستمر، لتتراكم المشاعر بأسلوب إلقاء أشبه بالتداعي الحر، دون وجود فواصل موسيقي تترك مساحة لصمت الافكار. اللحن يتحرك للأمام ببطء، يحمل الكلمات، ويتركها تتراكم واحدة تلو الأخرى، دون محاولة لتخفيف ثقلها.
صوت ولحن مترابطان
يختار مسلم طبقة الصوت حزينة ليغرق بالبكائية، ويتعامل مع الكلمات كاعترافات، لا كجُمل مغنّاة. وبصوته المتهدّج، يمنح الإحساس بأن الجُمل تُقال في لحظتها، لا تُستعاد. ومع تقدّم الأغنية، تتراجع المواجهة لصالح الاستسلام، ويتحوّل الخطاب من لوم إلى تسليم مع رغبة بالتماهي مع الحالة حتى الأقصى: "أمانة لو شوفتوني ببكي/ خلّوني أكون وحدي".
في النهاية، ينسحب صوت مسلم تدريجيًا، ويترك اللحن وحيدًا. تتباطأ الموسيقى، وتتحوّل النغمة إلى مسار صعيدي، قبل أن تتلاشى تمامًا. هذا الختام لا يُغلق الأغنية بقدر ما يتركها معلّقة، كأن الحزن لم يصل إلى نتيجة، بل توقف فقط عن الكلام.
x
حكم أولي
لعل ما يميز "قلبي ما بيهداش" ليس فقط طابعها الدرامي، بل طريقة إدارة الحزن داخلها. هنا، لا يتعامل مسلم مع الألم كذروة عاطفية، بل كحالة ممتدة، يترك الأغنية تسير على إيقاع الفقد نفسه: بطيئة، مترددة، ومليئة بأسئلة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تعيش داخلها.
الأداء هنا لدى مسلم لا يعتمد على الاستعراض، بل على الإحساس المتآكل، وعلى جُمل تُقال وكأنها تُسحب من الصدر سحبًا. اختيار طبقة صوت تتعرى من الكبرياء، أقرب إلى الهمس المكسور، تمنح الأغنية إحساسًا أكثر صدقًا، ما يجعل الحزن عنصرًا بنيويًا فيها لا مجرّد مزاج.
الأغنية ليست تكرارًا لتجربة "اتنسيت"، بل إعادة تموضع داخل الروح ذاتها بعد مرور الزمن. فإن كانت "اتنسيت" أغنية الصدمة الأولى، فإن "قلبي ما بيهداش" تبدو كحديث لاحق معها، حيث لا غضب ولا مواجهة، بل محاولة بطيئة لفهم الخسارة والتعايش معها. بهذا المعنى، تؤكد الأغنية على خصوصية مسلم حين يعود إلى هذه المساحة تحديدًا، لا لأنها الأكثر حزنًا، بل لأنها الأكثر قدرة على كشف صوته الحقيقي عندما يترك الباب مفتوحًا للألم.
هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية
