تُعد تجربة ميشيل مساك واحدة من التجارب الفنية المختلفة التي لفتت الانتباه في مؤخرًا، ليس فقط لخصوصية صوتها، بل لطبيعة المسار الذي تشكّل حولها. في محاولة لتفكيك هذه التجربةة وفهمها بعمق بين التمثيل والغناء. تعود بيلبورد عربية إلى السياق الكامل الذي أحاط ببداياته، والدوافع التي قادته إلى خوض تجربة الغناء قبل نحو ثلاث سنوات.
بداية حالمة ومبشّرة لمستقبل واعد ميشيل لا يزال في طور التشكل الفني رغم موهبته التي لم تولد فجأة، نشأ في بني سويف بصعيد مصر، تنقّل هناك بين الغناء والتمثيل في المسرح مما أسهم مبكرًا في تنمية مواهبه.
ووفقًا لبعض تصريحاته، كان يسير خلف أي شخص يعزف في الطرقات ليطلب الانضمام إلى فرقته الموسيقية التي تغني في الشارع، في مشهد يعكس شغفًا فطريًا بالموسيقى لا تحكمه حسابات.
ومع مرور الوقت شعر بحتمية الانتقال إلى القاهرة، بوصفها المركز الذي يمكن أن يمنحه فرصة حقيقية لتحقيق حلمه، وهو ما تحقق جزئيًا حين لفت أنظار عدد من المخرجين بملامحه المصرية الصارخة، فشارك في أعمال درامية من بينها مسلسل "كلبش2" و "البرنس" مع محمد رمضان وصولًا إلى مشاركته مؤخرًا في مسلسل "ميدتيرم" بدور جيمي إلى جانب ياسمينا العبد وزياد ظاظا.
مشوار يوازي بين الغناء والتمثيل أثناء انشغاله بالتمثيل جاءه صوت آخر يعيده إلى حلمه الأول؛ نصحه أحد أصدقائه بعدم التخلي عن الغناء، وذلك قبل أن يعرض عليه حسام حسين كلمات أغنية "الحلوة" التي كانت نقطة تحول فارقة في مسيرته. غيرت الأغنية مساره الفني بشكل أو بآخر.
حملت الأغنية قصة درامية ذات أبعاد إنسانية واضحة عن شخص أحب فتاة لكنها اختارت غيره، رغم كفاحه ومحاولاته المستمرة للوصول إليها. ويقدم ميشيل نفسه في الأغنية كراوٍ للحكاية، أو كصوت يواسي ذاته، مشيرًا إلى أن الحب الحقيقي لا يعرف الغياب كما جاء في اللازمة:"الحلوة لو حباك هترجع مش هتستحمل غيابك/ فاكر لما جيت تعاتب قالت مش فاضية لعتابك"
الأغنية متعددة الطبقات لحنها ميشيل بنفسه ووزعها ديفيد سمير، ورغم أنها لفتت الانتباه عند صدورها فإنها لم تحقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا في حينه.
x فنانين أثروا في شخصيته الفنية واصل ميشيل بعدها تقديم أغنيات تشبهه وتعكس ملامح شخصيته، متأثرًا منذ صغره بأصوات مختلفة من بينها محمد منير وجورج وسوف، حيث وجد نفسه أقرب إلى الأداء الحر البعيد عن القوالب الموسيقية الصارمة. هو لا يقدم ما يُنتظر منه بقدر ما يقدم ما يشعر به، فالكلمة ورسالة الأغنية إلى جانب الأداء على المسرح تمثل جوهر التجربة لديه.
قدم من كلماته وألحانه أغنية "رميت الزهر" بإيقاعات هادئة وجيتارات ووتريات توحي بتأثر لاتيني، لكن بكلمات شديدة المصرية تناولت خيبات الحب والحياة، مصحوبة بهوية بصرية بسيطة وغير متكلفة وهو يتجول في الشوارع. واستمر في هذا المسار مع أغنية "ليللي" أواخر عام 2023 أيضًا من كلماته وألحانه.
x "الحلوة" محطة مفصلية يروي ميشيل أن أغنية "الحلوة" كانت بالفعل نقطة التحول الحقيقية، حين أقام حفلًا قبل نحو خمسة أشهر لم يحضره سوى عدد قليل من الأشخاص. عندها قرر بالتعاون مع فرقته إعادة تصوير الأغنية وبثها بأدائه الحي الصادق على منصات التواصل الاجتماعي، لتلفت انتباه الجمهور هذه المرة وتفتح له باب انطلاقة مختلفة.
توزيعها المستوحى من موسيقى الجاز مع حضور لافت للساكسفون، إلى جانب صوته الصادق الذي يحمل قدرًا من الخشونة الغير مستساغة لكنها جوهر شخصيته الفنية، جعل كثيرين يشعرون وكأنه يتحدث بلسانهم الداخلي.
غزارة إنتاجية بصبغة مستقلة اللافت في تجربة ميشيل هو محافظته على وتيرة إنتاجه دون الالتفات إلى الأرقام، إذ تبدو الموسيقى ذاتها والبحث عن الصدق الإبداعي هو المحرك الأساسي له، ووسيلته الأولى للتعبير عما بداخله. ومن المحطات البارزة أيضًا في مسيرته أغنية "سندباد" الصادرة عام 2025، المستوحاة من شخصية السندباد البحري الرحالة.
تبدأ الأغنية بإيقاعات هادئة تتخللها صافرة ثم يدخل العود قبل أن يغني:"سندباد/ طبعه العناد/ رحّال بيجري في البلاد/ ورا حلمه دابت حزمته".
تتواصل الرحلة بمصاحبة الناي بصوت قوي وحزين في آن واحد قبل أن تتصاعد الفواصل الموسيقية بإيقاعات أكثر عنفًا مستوحاة من الروك، مدموجة بالناي في تعبير واضح عن صراع داخلي وحزن مكتوم.
x ميشيل و التنقل الحر بين الجنرات في المحصلة، لا يقيّد ميشيل نفسه بجنرا موسيقية بعينها، بل يبحر في الموسيقى وفق ما تتطلبه الأغنية وصورتها المتخيلة لديه ولدى فريقه. غير أن الثابت في كل ما يقدمه هو صدق الإحساس والقدرة على التعبير عن مشاعر يعيشها آخرون، وهو ما يشكل الملمح الأبرز والأكثر حضورًا في تجربته حتى الآن
افتتح ميشيل إصدارات العام الحالي بأغنية "واد غلبان" التي تعج موسيقاها بالآلات الحية، في تأكيد جديد على ملامح هويته الموسيقية التي باتت تعتمد هذا العنصر كركيزة أساسية. وهي هوية وجدت صدى واضحًا لدى شريحة من الشباب، وأعادت إلى الذاكرة أجواء صعود الفرق الموسيقية المستقلة في مصر عقب عام 2011، حين كانت أذن المستمع متعطشة لتوليفات موسيقية مختلفة عما هو سائد.
x الأغنية من كلمات وألحان ميشيل كأغلب أعماله، وتحمل قصة حب مشبعة بالدراما، تبدأ بمقدمة موسيقية طويلة نسبيًا بمعايير اليوم، تتصدرها آلة الساكسفون كقائد للفرقة، قبل أن تلتحق بها الجيتارات تليها الناي وبقية الآلات، في بناء تدريجي يستمر لأكثر من دقيقة قبل دخول الصوت.
ورغم جرأة هذا الاختيار في زمن الإيقاع السريع، فإن خصوصية صوت ميشيل وتجربته التي تتشكل خارج إطار الرائج أسهمت في لفت الانتباه إلى الأغنية وتحقيقها حضورًا ملحوظًا على مستوى الأرقام عبر المنصات المختلفة.
إصدار جديد يستلهم جذوره وخلال الأيام الماضية طرح ميشيل أغنيته الجديدة "تايه"لتكون ثالث إصداراته منذ بداية عام 2026 من بعد أغنية "عامل حبيب" التي اقتربت بدرجة أكبر من قالب البوب المألوف. في "تايه" يعود ميشيل خطوة إلى جذوره مستلهمًا الفلكلور الصعيدي وتحديدًا من "موال قلبي معاك" في تجربة تحمل طابعًا أكثر عمقًا وتجريبًا.
شاركه في كتابة الكلمات كل من عمر فكري ومحمود وهبة، فيما تولى التوزيع الموسيقي مغربي، ليخرج العمل بتوليفة تمزج بين الإيقاعات الإلكترونية والروح الصعيدية، في انعكاس مباشر لهويته وتكوينه. أدى ميشيل الأغنية بصوت يوازن بين الانكسار والرجاء متنقلًا بين خيبات الحب والحياة، مع تركيز واضح على ثيمة التيه التي لم تقتصر على النص واللحن فحسب، بل امتدت إلى المعالجة البصرية، لتكتمل الدائرة التعبيرية للأغنية.
x تبدو تجربة ميشيل مساك في طور النمو تبحث عن وجهة بعيدًا عن مطاردة الرائج أو الارتهان لقوالب جاهزة.
ما يميزه حتى الآن هو هذا الإصرار على الصدق الفني والقدرة على المزج بين الجذور والتجريب المعاصر، في محاولة للتعبير عن جيل يشعر بالتيه والحنين في آن واحد. وبين الغناء والتمثيل وبين الآلات الحية والتوليفات الحديثة يواصل ميشيل تشكيل ملامح مشروعه بهدوء تاركًا الوقت والجمهور يحكما على مشواره.
هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية
