على مدار العقدين الماضيين، شهد العالم تحوّلًا لافتًا في أولوياته الاقتصادية والعلمية، حيث أصبح البحث والتطوير عنصرًا محوريًا في سياسات الدول وخططها المستقبلية، وقد انعكس ذلك بوضوح في القفزة الكبيرة التي حققها الإنفاق العالمي على البحث والتطوير، والذي بلغ نحو 3 تريليونات دولار في عام 2024، مقارنة بأقل من تريليون دولار فقط في عام 2000، ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الابتكار والمعرفة كمحركات أساسية للنمو.
ويُظهر تصنيف حديث لأسرع الدول نموًا في الإنفاق على البحث والتطوير عالميًا، اعتمادًا على معدل النمو السنوي المركب لإجمالي الإنفاق بين عامي 2000 و2024، اتساع الفجوة بين الدول التي ضاعفت استثماراتها العلمية وتلك التي شهدت نموًا أكثر تواضعًا، ويستند هذا التصنيف إلى بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، مع احتساب جميع الأرقام بالدولار الأمريكي الثابت لعام 2015، بعد تعديلها وفقًا لتعادل القوة الشرائية.
الصين في الصدارة العالمية تتصدر الصين هذا التصنيف العالمي، بعدما سجل إنفاقها على البحث والتطوير معدل نمو سنوي بلغ 13.1% منذ عام 2000، وخلال هذه الفترة، قفز إجمالي الإنفاق الصيني من 40.8 مليار دولار فقط في مطلع الألفية إلى ما يقرب من 786 مليار دولار في عام 2024، لتستحوذ بذلك على نحو 27% من إجمالي الإنفاق العالمي على البحث والتطوير.
وقد أسهم هذا التوسع المتسارع في تحويل الصين إلى قوة ابتكارية عالمية بارزة، فمنذ عام 2000، استحوذت الصين على أكثر من 36% من إجمالي طلبات براءات الاختراع على مستوى العالم، كما تتصدر قائمة الدول من حيث عدد طلبات براءات اختراع الذكاء الاصطناعي، ما يعكس تركيزها الاستراتيجي على التقنيات المتقدمة.
السعودية ومصر ضمن الأسرع نموًا تأتي السعودية في المرتبة الثانية عالميًا من حيث معدل نمو الإنفاق على البحث والتطوير، حيث سجلت نموًا سنويًا قدره 13% منذ عام 2000، لتكون بذلك الأسرع نموًا بين جميع الدول ذات الدخل المرتفع، ويعكس هذا الأداء التحولات التي تشهدها المملكة في سياق تنويع الاقتصاد وبناء قاعدة معرفية وتقنية.
وتحل مصر مباشرة بعد السعودية، بعدما ارتفع إنفاقها على البحث والتطوير بمعدل سنوي يقارب 12% خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2024، ما يضعها ضمن قائمة الدول الأسرع نموًا في هذا المجال، ويشير إلى تنامي الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار في الاقتصادات العربية.
الاقتصادات الناشئة تسرّع وتيرة الاستثمار برزت عدة اقتصادات ناشئة ضمن قائمة أسرع الدول نموًا في الإنفاق على البحث والتطوير، من بينها إندونيسيا وتايلاند وفيتنام، ورغم أن مستويات إنفاق هذه الدول لا تزال منخفضة نسبيًا من حيث القيمة المطلقة، فإن معدلات النمو المرتفعة تعكس سعيها لتعزيز قدراتها التكنولوجية والانخراط في سلاسل القيمة العالمية.
الولايات المتحدة.. إنفاق ضخم ونمو محدود في المقابل، لا تزال الولايات المتحدة ثاني أكبر دولة في العالم من حيث إجمالي الإنفاق على البحث والتطوير بالقيمة المطلقة، لكن معدل نمو هذا الإنفاق ظل محدودًا نسبيًا، إذ بلغ 3.3% سنويًا فقط خلال الفترة من 2000 إلى 2024، ما يضعها في المرتبة 69 عالميًا من حيث سرعة النمو، مقارنة بالدول الأخرى.
لماذا يُعد نمو البحث والتطوير أمرًا مهمًا؟ يرتبط الاستثمار المستدام في البحث والتطوير ارتباطًا وثيقًا بزيادة الإنتاجية الإجمالية على المدى الطويل، وهو ما ينعكس في شكل مكاسب غير مباشرة تشمل تحسين الكفاءة الاقتصادية، وتعزيز التصنيع، وترسيخ الريادة التكنولوجية.
كما أن الدول التي تستثمر بفاعلية في البحث العلمي تكون في وضع أفضل لتطوير صناعات متقدمة وجذب الكفاءات والمهارات العالية، لا سيما في ظل احتدام المنافسة العالمية حول الابتكار والتكنولوجيا، بدلًا من الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة وحدها كمصدر للنمو الاقتصادي.
هذا المحتوى مقدم من العلم
