ليست القوة في القرن الحادي والعشرين ذلك الصوت العالي الذي يسبق الصدام، ولا تلك العضلات التي تُستعرض كلما توتر المشهد، القوة اليوم أعمق وأدق؛ هي القدرة على الاختيار، وعلى ضبط التوقيت، وعلى توظيف الأدوات بما يخدم المستقبل لا اللحظة.
من هذا المنطلق، تبدو التجربة الإماراتية استثناءً واعيًا في محيط مضطرب، دولة تملك أدوات القوة الصلبة، لكنها تختار السلام لا بوصفه انسحابًا أو تنازلًا، بل باعتباره أداة سيادية متقدمة لإدارة النفوذ وبناء الاستقرار.
السلام هنا ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل قرارًا استراتيجيًا نابعًا من فهم مختلف لمفهوم القوة، ومن قراءة مبكرة لعالم لم تعد الحروب فيه طريقًا مضمونًا للنفوذ، ولا الصراعات الطويلة استثمارًا رابحًا للدول الطامحة إلى المستقبل.
في العصور الماضية، كانت القوة تُقاس بصناعة الواقع البطولي، وبمنطق الغلبة والصدام، أما اليوم، فقد أعادت البراغماتية الواعية هيكلة قواعد النجاح.
دولة شابة، طموحة، أدركت مبكرًا أن الاستدامة الحكيمة هي السلاح الأعمق في مواجهة التحديات، وأن التصدعات الفكرية لا تُعالج بالقوة الخشنة، بل ببناء الإنسان وتحصين الوعي.
القوة اليوم ليست في ردّ الفعل، بل في المبادرة، ليست في كسب معركة، بل في منع اندلاعها، ومن هنا، لم يكن خيار السلام الإماراتي تعبيرًا عن حياد، بل مواجهة راقية لمشروعات الإنسانية والتنمية والاستدامة؛ مبدأ يُدار كنفوذ، لا كشعار.
لقد حصلت الإمارات على تأييد دولي واسع، وشراكات أمنية واقتصادية متقدمة، ومع ذلك اختارت التسامح والانفتاح والتعايش اختارت أن تجعل من السلام قوة ناعمة، ومن الدبلوماسية لغة سيادة، ففي عالم يتجاوز الاعتيادية، لا ينجو إلا من يملك الاستثنائية.
المنطقة الخليجية، والإمارات بشكل خاص، لم تعد مجرد جغرافيا استقرار، بل مختبرًا لصناعة الابتكار، واستباق المستقبل، وتحويل الثروة والقدرة إلى حصاد نافع لا استنزاف مؤقت، هنا لا نتحدث عن وطن كأسوار حماية فقط، بل عن مشروع إنساني يربط الطموح بالتقدم، ويجعل الإنسان جوهر المعادلة.
الإمارات لا تختزل القوة في بعدها العسكري، بل تؤمن بمنظومة متكاملة: اقتصاد، ومعرفة، ودبلوماسية، وأخلاق، ومبدأ لا يهتز، فعندما يُمنح السلام قوة، تتقلص الصراعات، وتضعف التحديات، ويُعاد تعريف النفوذ.
ومن هذا الفهم، تصبح الإمارات منارة تُضاء بالقوة الإنسانية؛ فاستضافة القمم والوساطات ليست دورًا عابرًا، بل موقف سيادة، الوسيط هنا ليس على الهامش، بل في موقع متقدم، قادر على جمع المتناقضات، وإعادة توجيه التاريخ نحو صفقات عقلانية تُدار بوعي لا بشعارات، فبإمكان الدول صناعة الأدوات وقمع الإنسان، لكن العدل بوصفه منبر الخير والحوار والتعايش هو القوة الأصيلة التي لا تزول.
لسنا اليوم في نقصٍ لوسائل الدفاع، بل في لحظة تاريخية تُراهن على جوهر الأمة، وعلى أخلاقيات الكلمة، وعلى مقامٍ راسخ لا تهزه العواصف، وليس في ذلك انتقاص من قيم الآخرين، بل ثقة بقدرة هذه القيم على الإحياء، وعلى خلق بيئات مستدامة تقي من تغيّر الثوابت.
ويبقى السؤال: أيها الشعب.. أين تذهب بهوية خُلقت بالفطرة، وأشرقت بالدبلوماسية الإنسانية؟
هذا المحتوى مقدم من أخبار سعادة
