لطالما كان لديّ موقفٌ متوجس، وربما نافِر، من أدب "الواقعية الاشتراكية". تلك المدرسة التي غالباً ما تُحيل الأدب إلى منشورات دعائية باردة، وتُقولب الإنسان في تروس الآلة والمجموع، سالبةً إياه فردانيته وهشاشته لصالح "القضية". ولكن، وكما في كل قاعدة، ثمة استثناء يكسر الجمود، وثمة سحرٌ خاص يمتلكه "مكسيم غوركي" يجعله ينجو من فخ هذا المستنقع الأيديولوجي، ليُحلق في فضاءات الإنسانية الرحبة، بعيداً عن الشعارات الجوفاء.
أنهيتُ مؤخراً قراءة كتاب "العبودية" لغوركي، بترجمة عدلي كامل، وهي تجربة أعادت تشكيل رؤيتي لهذا "الأديب المخضرم". فغوركي لم يكن مجرد وجهٍ ثقافي للثورة البلشفية، بل كان جسراً حياً يربط عمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي الخالدين -كتولستوي وتشيخوف اللذين عاصرهما وجالسهما وكتب عنهما- وبين العهد الجديد بكل صخبه وقسوته. يده التي كتبت، كانت ممتلئة بحبرٍ خاص ورثه عن أولئك العظماء، حبرٍ ممزوج بالدم والدمع الفطري، لا بشعارات الحزب الباردة التي جفّت قبل أن تُكتب.
إن التمسك بهذه الأعمال الكلاسيكية والعودة إليها اليوم ليس مجرد نكوص إلى الماضي أو استغراق في النوستالجيا، بل هو ضرورة ملحة لفهم مسار الإبداع البشري. فالحداثة أو "المودرنيزم" لا يمكن أن تولد من الفراغ، ولا يمكن لبناءٍ أن يرتفع دون أساسات ضاربة في عمق الأرض. غوركي هنا يمثل تلك "القاعدة الصلبة"؛ إنه يُثبت أن التجديد الحقيقي هو الذي يتنفس برئة التراث الأدبي العظيم، فبدون عبقرية تولستوي وقلق تشيخوف، لم يكن لغوركي أن يكتب "العبودية" بهذا العمق السيكولوجي الذي يتجاوز التفسير المادي الضيق للتاريخ.
يقدم مكسيم غوركي في مقدمة كتابه ما يمكن وصفه بـ "البيان الإنساني" الذي يعيد تعريف وظيفة الأدب. يقول غوركي بلسانٍ تنبؤي: "لعلك توافقني في الرأي حين أقول: إن غاية الأدب هي أن يعين الإنسان على: أن يفهم نفسه، وأن يؤمن بنفسه، وينمي فيه الطموح إلى الحقيقة، وأن يكافح نوازع الشر في طبيعة البشر، وأن يرشده إلى جانب الخير فيهم، وأن يستثير في نفوسهم جانب الطيبة، والغضب لوقوع الشر، والشجاعة كيما يصبح الناس أقوياء عن سماحة خلق ويستطيعون إثراء حياتهم الروحية بكل ما هو جميل... ذلك هو أسلوبي في التفكير...حقاً، إنه لا يبلغ درجة الكمال، فإن هو إلا مجرد تخطيط عام...املأه إذن بكل ما من شأنه أن يثري الحياة، ثم أنبئني أنحن في الرأي متقفان؟".
لا يقدم غوركي هنا وعظاً، بل يطرح مشروعاً لبناء الإنسان. واللافت في رؤيته هو رفضه للجمود؛ فهو يصف منهجه بأنه "مجرد تخطيط عام" لا يبلغ درجة الكمال، فاتحاً الباب أمام القارئ ليمارس حريته في الإضافة والتعديل. هذا التواضع هو جوهر الليبرالية الفكرية التي يفتقدها الأدب المؤدلج؛ فالحقيقة عند غوركي ليست نصاً مقدساً، بل هي صيرورة وتفاعل مستمر بين النص والحياة. إن دعوته لاستثارة "الغضب المقدس" تجاه الشر هي دعوة للحيوية. فالإنسان الذي لا يغضب للشر هو إنسان مستلب، والجمال الذي لا يحميه غضبٌ واعٍ وشجاعةٌ فطرية هو جمالٌ زائف. وبذلك، يضع غوركي حيوية التجربة الإنسانية وتعددها فوق أي انغلاق مذهبي، جاعلاً من الأدب جسراً نحو التحرر من "عبودية الجهل" قبل التحرر من "عبودية الإقطاع".
لا يمكن قراءة نصوص "العبودية" بمعزل عن فهم شخصية غوركي الصِدامية. فعلى الرغم من قربه من السلطة السوفيتية، استغل هذا الرجل موقعه ونفوذه ليكون درعاً؛ فأنقذ رقاب الكثير من الأدباء والكتاب الروس من مقصلة الإعدام أو جحيم النفي إلى صقيع سيبيريا القاتل. تلك الروح القلقة التي دفعت حياتها ثمناً في النهاية -كما تقول الروايات القوية التي ترجح موته مسموماً على يد السلطة ذاتها التي خدمها- هي نفسها التي تتجلى في نصوص هذا الكتاب.
في أدبه، وكما لمستُ بوضوح، يتخطى غوركي القشرة السطحية للواقعية الاشتراكية. شخوصه ليست دمىً ميكانيكية تُبشر بالإلحاد المادي كما أرادت الرقابة السوفييتية التي عبثت بكتبه بصلافة، وحذفت إيمانيات أبطاله ومناجاتهم للرب؛ بل هم كتلٌ من لحم ودم، ومشاعر فوارة، يؤمنون بالخير، ويبحثون عن الله في عيون الفقراء، ويتألمون بصدقٍ يفوق قدرة الشعارات السياسية على الاحتواء.
في رواية "العبودية" عنوان المجوعة- يغوص غوركي في نوعٍ من العبودية لا تراه السوسيولوجيا التقليدية: إنها "عبودية العاطفة". من خلال قصة "بطرس" وحبه العقيم لـ "لاريسا"، يُرينا غوركي كيف يمكن للقلب أن يكون سجّاناً أقسى من القيصر. بطرس الذي ضحى برباط الدم مع أخيه، وجعل حياته مجرد "محطة انتظار" لامرأة نرجسية، هو النموذج الأقصى للإنسان الذي يتنازل عن "ذاته" طواعية. الحب هنا ليس المحرر، بل هو القيد الأبدي، وهو ما يسبر غور الجمود الذي يعتري المرء حينما يقرر آخر أن يجعله مجرد "شيء" هامشي في حياته.
في الانتقال إلى القصص القصيرة، نجد التطبيق الفعلي لما قاله غوركي في مقدمة الكتاب عن غاية الأدب: "أن يُعين الإنسان على أن يفهم بنفسه ويؤمن بنفسه". وتتجلى هذه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من موقع رووداو

.jpg)


