في مقالة نشرت خلال الآونة الأخيرة بصحيفة «جون أفريك» الفرنسية، يتحدث الفيلسوف الكاميروني «أشيل بمبة» عن ثلاث أزمات كبرى تعاني منها المجتمعات الأفريقية هي: أزمة إنتاج الموارد الوطنية، وأزمة التوزيع العادل للثروة القومية، وأزمة المواطنة السياسية. في تحليله لهذه الأزمات، يرى «بمبة» أن مصدرها الأساس هو ما يسميه «الاستعمار الذاتي»، الذي يتمثل في استمرار أساليب الإدارة الاستعمارية لدى نخب الاستقلال الحاكمة من تحكم تعسفي بدلا من الحكامة الراشدة ومن فساد ونهب بدلاً من التدبير العادل.
مفهوم الاستعمار الذاتي يختلف نوعياً عن مقولة «قابلية الاستعمار»، التي اشتهر بها المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي، وكان يعني بها وضعية المجتمعات التي تفقد مناعتها الحضارية، فتصبح عرضة للغزو والاحتلال الأجنبي. الاستعمار الذاتي يعني استمرار أساليب الهيمنة الأجنبية بعد نهاية الحقبة الاستعمارية، بحيث تتغير الواجهة الخارجية دون أن تتحول السياسات العمومية. لتفسير هذه الظاهرة، اعتبر «بمبة» أن الأدبيات الاستعمارية لا تزال تشكل النسق التأويلي المحدد لوعي النخب الوطنية نفسها، فالتصنيفات والتحديدات الاجتماعية التي بلورتها تلك الأدبيات استبطنتها الثقافة المشتركة وغدت من مكونات المتخيل الجماعي.
ومن هذه التحديدات مفهوم الهوية العرقية الذي يبدو بديهياً وطبيعياً، مع أنه مخترع منتج تاريخياً لأغراض التشخيص والتجزئة، وكذا مفهوم «الزنوجة» نفسه الذي اعتمدته النخب التحررية والقومية مع أن الغرض الأصلي منه هو طمس إنسانية الإنسان الأفريقي وإقصائه من دائرة البشرية المتحضرة. في الإتجاه نفسه يبلور «اشيل بمبة» مفهوم «الجثثية السياسية» n croplitique المستمد من نظرية الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو حول «السلطة الحيوية» التي قصد بها التحكم في أنماط العيش والحياة بما ترمز اليه مقولة السيادة الحديثة التي تتأسس على القدرة على إحداث «الموت الشرعي».
«الجثثية السياسية» هي سلطة الموت التي كان ينتهجها المستعمر في تحديده لمناطق خارج القانون، تعلق فيها الحريات والحقوق، ويصبح فيها العنف عادياً، بما يتمثل في تجارب العبودية والاحتلال القسري والحشد التعسفي. ومع أن الإستعمار انتهى، إلا أن ظاهرة «الجثثية السياسية» لا تزال هي المحدد للفعل السياسي داخل المستعمرات السابقة، وهي الأفق الاستراتيجي للعلاقات بين القوى الدولية والعالم الجنوبي الشامل.
الانقلابات العسكرية التي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
