لم تعد الشبكات الاجتماعية، ومنصات الألعاب الرقمية، مجرد وسائط تواصل أو مساحات ترفيه عابرة، بل غدت بنى عميقة النفوذ، تتغلغل في الوعي الفردي، وتعيد تشكيل المزاج الجمعي، وتؤثر في أنماط الاستهلاك والسياسة والمعرفة. هي أدوات فتحت آفاقاً غير مسبوقة للتعبير والترفيه والتعلم، لكن الوجه الآخر لهذا الاتساع كان أشد قتامة مما توقعه المتحمسون الأوائل.
لقد تمددت هذه المنصات بلا كوابح، محمولة على منطق تقني انتهازي، لا يرى في الإنسان سوى «مستخدم» ينبغي إبقاؤه أطول وقت ممكن أمام الشاشة، وفي الانتباه سلعة قابلة للاستغلال والاستنزاف. ومع مرور الوقت، تكدست الشواهد على أن الأضرار النفسية والاجتماعية والمعرفية لهذه الشبكات، خصوصاً على الأطفال واليافعين، باتت أكبر من أن تُحتمل، وأن الصمت التنظيمي على تجاوزاتها لم يعد حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في تعزيز التغول.
من هنا يمكن فهم ما يشهده العالم أخيراً من استفاقة جماعية متأخرة، لكنها حاسمة. استفاقة لم تولد من فراغ أخلاقي، ولا من عداء للتكنولوجيا، بل من إدراك متأخر بأن ترك الفضاء الرقمي رهينة لخوارزميات الربح الخالص قاد إلى اختلالات عميقة تهدد الصحة النفسية، والسيادة الرقمية، وعدالة السوق، وحتى استقرار المجال العام.
هذه الاستفاقة تتخذ اليوم شكل تشريعات وسياسات وتدابير تنفيذية، تتنقل بين الدول بـ«تأثير الدومينو»، بعدما كسرت دول بعينها حاجز التردد، ودفعت الآخرين إلى إعادة النظر في مُسلّمات استمرت عقدين تقريباً دون مساءلة جدية.
وتتجسّد هذه الصحوة في حزم واضحة المعالم. أولاها فرض القيود العمرية الصارمة، حيث أقرَّت دول صراحة بأن الأطفال لا يمكن تركهم وحدهم في مواجهة أنظمة مصممة للإدمان. فسنَّت أستراليا تشريعاً يمنع مَن هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على منصات كبرى، واتجهت فرنسا وإسبانيا واليونان إلى خطوات مماثلة، في حين فعّلت المملكة المتحدة قوانين الأمان الرقمي التي تُلزم المنصات بالتحقق من العمر وتحمل المسؤولية. وثانيتها حماية البيانات بوصفها معركة سيادة، حيث شدد الاتحاد الأوروبي، عبر اللائحة العامة لحماية البيانات وقانون الخدمات الرقمية، على منع نقل بيانات المستخدمين خارج الأطر القانونية، وفرض غرامات ضخمة على شركات انتهكت هذه القواعد، في رسالة مفادها أن بيانات الأفراد ليست مادة خاماً سائبة، بل هي حق سيادي مصون.
أما الحزمة الثالثة، فتتعلق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
