في كل موجة تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، يُعاد طرحُ السؤالِ نفسِه: هل نقلُ حاملاتِ الطائرات مقدّمة لضربة عسكرية محتملة، أم أداة ضغط محسوبة لتحسين شروط التفاوض في منطقة تتسم بقدر مرتفع من اللايقين الاستراتيجي؟
القراءة التحليلية للسلوك الأميركي، كما تكشف عنه الوقائع والذاكرة المتراكمة، ترجح بوضوح الاحتمال الثاني، حيث تُستخدم القوة لإدارة التفاوض وضبط توازن القوى لا لفتح حربِ عاليةِ التكلفة وغير مضمونة النتائج.
صانع القرار الأميركي يتقدم عادة بحسابات دقيقة للتكلفة والعائد في سياق دولي فوضوي. فإذا كانت الضربة العسكرية لا تضمن تدميراً كاملاً للقدرات النووية، وتحمل في الوقت نفسه خطرَ توسع الصراع إقليمياً بما يترتب عليه من ضرب للقواعد الأميركية، وارتفاع تكلفة الطاقة، واضطراب الأسواق، وزيادة منسوب اللايقين في النظام الدولي، فضلاً عن ارتدادات سياسية داخلية وخارجية على الإدارة الأميركية، فإنَّ اللجوء إليها يظل خياراً عالي التكلفة وضعيف الجدوى. لذلك يُستحضر التهديد العسكري بوصفه أداةً للضغط والردع والحفاظ على توازن القوى، أكثر مما يُعتمد مساراً مفضلاً للحسم.
في المقابل، تُقدم الصفقة - ولو في صيغتها المحدودة - بوصفها الخيار الأكثر عقلانية مقارنة بالحرب، إذا تمكَّنتِ الإدارة الأميركية من تجميد فعلي للبرنامج النووي تحت رقابة مشددة، وخففت من حدّة التوتر الإقليمي، من دون تكلفة الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع قابلية تسويقها داخلياً باعتبارها «صفقة ناجحة»، وإدارة محسوبة للمخاطر في بيئة تتسم بدرجة عالية من اللايقين، لا بوصفها تنازلاً سياسياً.
وبهذا المعنى، يحقّق التفاوض - حتى وإن لم تكن مخرجاته مثالية - عائداً أعلى من الضربة، بينما تُستبقى القوة العسكرية أساساً كرافعة ضغط تفاوضي. ويتَّسق هذا المنطق على نحو خاص مع مقاربة دونالد ترمب، الذي يُظهر ميلاً واضحاً لتغليب النموذج العقلاني في حسابات المنفعة والكلفة، وتفضيل الأدوات التي تُحقق نتائج قابلة للتسويق السياسي بأقل تكلفة استراتيجية ممكنة، مع الإبقاء على التهديد العسكري بوصفه وسيلة ضغط تفاوضي لا خياراً مفضلاً للحسم.
وهذا المنطق في الفعل السياسي الأميركي لا يُفهم بوصفه خياراً ظرفياً، بل باعتباره نمطاً متكرراً تعززه الخبرات السابقة. فالعلاقة الأميركية-الإيرانية محكومة بمسار طويل من التجارب التي أظهرت أنَّ «الضغط الأقصى» لم يُنتج استسلاماً أو تغييراً جذرياً في السلوك، بل رفع تكلفته الاقتصادية والسياسية والأمنية، ودفع إيران إلى تكييف أدواتها لا التخلي عن خياراتها، في حين أثبتت فترات التفاهم الجزئي أنَّ الاستجابة الإيرانية تكون أكبر حين يُقترن الضغط بمحفزات تخفيف مشروط للعقوبات. كما تعلمت المؤسسات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
