كان معين التعليم ناضبًا وشحيحًا على مدار القرون الأولى، حتى اكتسب الإنسان الأول المعرفة رويدًا رويدًا؛ ليأتي عصر الثورة الصناعية محملا بمعارف ومعلومات كنا حتى وقت قريب نظنها جل المعرفة المتاحة، حتى جاء عصر الشبكة العنكبوتية؛ ليجد الإنسان الذي كان حتى وقت قريب متعطشًا للعلم والمعرفة؛ ليجد نفسه غارقًا فيها، لا يستطيع مهما أوتي من قوة وفطنة أن يتتبعها أو يستوعبها.
وبات ما كنا نطمح لتعليمه لأبنائنا في السابق لسنوات عديدة مجرد صفحة أو كتاب صوتي أو جلسة حوارية يمكن الوصول إليها بضغطة زر واحدة وفي كسر من الثانية، وأصبح معين المعرفة مفتوحًا على مصرعيه لكل باحث ومفكر، حتى الأطفال دون سن المدرسة لا يستطيعون تحصيل المعرفة واكتساب المهارة دون مساعدة الأبوين، من خلال المشاهدة والاستماع للبرامج والمسلسلات.
إالمراحل التعليمية المبكرة -حتى سن الخامسة- التي تشكل مرحلة الطفولة، تعد فترة من الفترات الحاسمة في نمو الطفل وتطوره؛ لذا فكثير من العلماء والخبراء والتربويين يعتبرون التعليم في هذه المرحلة أكثر من مجرد اكتساب للحروف والكلمات، بل هو أساس لبناء أكاديمي، يبدأ من هذه المرحلة ولا يتوقف إلا مع نهاية العمر، وهو انطلاقة لنمو شامل يشمل الجوانب الاجتماعية والعاطفية والمعرفية، إن فهم العلاقة بين الحواس والتعليم يُساعد في تعزيز تجارب التعلم المبكر، ويُسهم في تطور متكامل للأطفال، مما يساعدهم مستقبليًا على استكمال رحلتهم التعليمية بسهولة ويسر، بل ويساعد على خرطهم في البيئة المدرسية النظامية بدون معيقات.
تشبه رحلة نمو الطفل عبر سنوات عمره المبكرة بتأليف سيمفونية موسيقية، حيث تمثل كل مرحلة من مراحل نموه منذ ساعة الولادة بحركات الآلات الموسيقية، فكل حركة تبني على الأخرى، وتعمل الحواس كالأدوات التي تُحيي هذه الموسيقى، من همسات اللحن الخافت إلى الألوان الزاهية للعبة متحركة، فإن تجارب الطفل المبكرة هي غزارة من المدخلات الحسية، تُشكل فهمه للعالم وتضع الأساس للتعلم في المستقبل.
لكن ماذا يحدث عندما تُخفت هذه السيمفونية، أو عندما تسكت بعض الأدوات؟، إنه النشاز المطلق، وتشويش السمع، وتشتت الأفكار، وربما العوق الفكري رغم سلامة الحواس؛ لذا فإن هذه المرحلة إن استقامت، استقامت باقي المراحل وحُسن مخرجها، وإن اعوجت أو انحرفت، ساء مخرجها، وعانى الطفل أثارها طيلة حياته.
تمثل الطفولة الأولى (0-2 سنة) البدايات الهادئة للطفولة، حيث تستيقظ الحواس مثل زهور رقيقة تمتد نحو الشمس، فتبدأ الرؤية البصرية -رغم أنها غائمة في البداية- بالتوضيح للتعرف على الوجوه وتتبع الحركة، رائحة حضن الأم، وطعم حليب الثدي، ولمسة الجلد الرقيقة هذه هي البذور الأساسية للارتباط والأمان، كل صرخات وضحكات تثير استجابة، وتفاعلا «يقدم ويستقبل»، يُشكل العمارة الأساسية للدماغ المتطور.
تساعد الحواس الأطفال على التعرف على العالم من حولهم وفهمه، في السنة الأولى من حياتهم يتمكن الأطفال من استخدام حواسهم لاستكشاف البيئات المحيطة، رؤية الوجوه والألوان، والتفاعل مع الأصوات، وملامسة الأنسجة المختلفة، كلها تجارب تُحفز الدماغ وتزيد من نموه، لذا فإن دمج الأنشطة الحسية في التعليم المبكر يُعتبر استثمارًا في مستقبل الطفل.
ماذا لو كان عالم الطفل خاليًا من هذه التجارب الحسية الأساسية؟، أظهرت الدراسات أن الحرمان الحسي خلال الطفولة يمكن أن يعطل تطور الدماغ، مما يؤدي إلى صعوبات في تنظيم العواطف، والتفاعل الاجتماعي، والمهارات المعرفية لاحقًا.
مع انتقال الطفل إلى مرحلة الطفولة المبكرة (2-3 سنوات)، تتصاعد السيمفونية بطاقة جديدة واكتشافات أكثر، حيث يصبح العالم ملعبًا للملمس والطعم والأصوات، تصبح صناديق الحواس المملوءة بأنواع الطعام المختلفة، مثل الأرز أو المعكرونة أو الخضراوات المجففة طرقًا للاكتشاف، تُحسن المهارات الحركية الدقيقة وقدرات حل المشكلات، أما الرسم بالأصابع فيطلق الإبداع وإحساس السبب والنتيجة، تتفتح اللغة بينما يكافحون لوصف العشب «الذي يلسع» أو فراء الجرو «الناعم».
يعتبر التعليم القائم على اللعب أسلوبًا فعالًا في التعليم المبكر، حيث يُتيح للأطفال استخدام حواسهم بطرق تفاعلية، من خلال الأنشطة مثل الرسم، اللعب بالماء، وبناء الكتل، يمكن للأطفال تطوير مهاراتهم الحركية الدقيقة، ويزيدون من وعيهم الحسي، هذه الأنشطة تُعزز من التعلم من خلال التجربة الحية، مما يُساعد في تحسين كل من الفهم الاجتماعي والعاطفي.
لكن، ماذا لو كان الطفل يكافح لمعالجة هذه المعلومات الحسية؟، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ما بين 5% و20% من الأطفال قد يعانون من صعوبات في تكامل الحواس، مما يؤثر على قدرتهم على المشاركة في الأنشطة اليومية، هذه المشكلات الدقيقة، التي تُفوتها غالبًا الفحوصات التطورية العادية، يمكن أن تتجلى كصعوبات في تنظيم العواطف، واللعب، وغيرها من مهارات العناية الذاتية وحتى المشاركة في المدرسة.
في سنوات ما قبل المدرسة (3-5 سنوات)، تصل السيمفونية الحسية إلى أكثر حركاتها تعقيدًا وعمقًا، يبدأ الأطفال في اتقان مفاهيم مجردة، وربط التجارب الحسية باللغة، وتطوير التنظيم العاطفي، يتعلمون التنقل في المواقف الاجتماعية من خلال اللعب، وتبادل الأدوات، والتفاوض على الأدوار، والتكيف مع أفكار الآخرين، تصبح القدرة على تحديد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
