مصدر الصورة: BBC
رغم مرور 140 عاماً على ميلادها في 11 فبراير/شباط عام 1886، لا تزال بصمة مي زيادة حاضرة في الأدب والفكر العربي. فقد شكّلت هذه الأديبة والشاعرة إحدى الشخصيات البارزة في جيلها، وحضوراً فكرياً وثقافياً تجاوز إطار الإنتاج الأدبي إلى نقاش أوسع حول دور النساء في الأدب والثقافة والمجتمع.
وُلدت مي زيادة في سياق تاريخي مضطرب، كانت فيه المنطقة العربية تشهد تحوّلات بين التقليد وبدايات الحداثة. وتمكّنت، بفضل عقلها النقدي وثقافتها الواسعة، من أن تحجز لنفسها مكاناً متقدّماً في قلب هذا التحوّل، وأن تكون من الأصوات التي تناولت أسئلة الحرية والهوية والمعرفة.
وإلى جانب كونها امرأة كسرت قيوداً اجتماعية سائدة وأسهمت في إنتاج فكر مستقل، لا تزال تجربتها الإنسانية، بما حملته من صعوبات، محوراً لأسئلة مستمرة حول حدود الحرية الفردية في السياق العربي.
البدايات ولدت ماري إلياس زيادة في 11 فبراير/شباط عام 1886 في الناصرة، لوالد لبناني هو إلياس زيادة ووالدة فلسطينية هي نزهة معمّر. وكان لها شقيق واحد، إلياس، توفي عام 1891 عن عمر عامين، وهي خسارة تركت أثراً نفسياً عميقاً رافقها لسنوات طويلة.
نشأت مي زيادة في أسرة مهتمة بالثقافة والأدب؛ فكان والدها مدرّساً وصحفياً وأديباً. وتلقت تعليمها الابتدائي في مدرسة راهبات القديس يوسف في الناصرة، حيث درست الموسيقى وتعلّمت الفرنسية والإيطالية.
وفي صيف عام 1899، سافرت، وهي في الثالثة عشرة من عمرها، مع والديها إلى لبنان للتعرف إلى عائلة والدها، وواصلت دراستها في كلية راهبات الزيارة في عينطورة بقضاء كسروان. وفي تلك المرحلة بدأت موهبتها الأدبية بالظهور، ولا سيما في كتابة الشعر باللغة الفرنسية.
عادت إلى الناصرة مطلع عام 1905، وفي منتصف عام 1907 قرر والدها الانتقال بالعائلة إلى القاهرة، وهي خطوة كان لها تأثير بالغ في مسار حياتها وتكوينها الفكري. وفي القاهرة، عملت مي زيادة مدرسة للغة الفرنسية في عدد من المدارس الصغيرة، كما أعطت دروساً خاصة لبنات المصري الثري إدريس راغب.
وكان راغب قد اشترى امتياز إصدار صحيفة "المحروسة" ومطبعتها من صاحبها عزيز زند عام 1904، قبل أن ينقلها إلى صديقه إلياس زيادة في أواخر عام 1908. وابتداءً من يناير/كانون الثاني 1909، ظهر اسم إلياس زيادة على ترويسة الصحيفة بصفته مالكها ورئيس تحريرها، ما أتاح لمي زيادة أن تخوض تجربتها الصحافية الأولى وتبدأ مسيرتها الأدبية.
مي بحلول عام 1911، كانت مي زيادة قد نشرت ديواناً شعرياً باللغة الفرنسية بعنوان "أزاهير الحلم" (Fleurs de r ve)، ووقعته باسم إيزيس كوبيا، وهو الاسم المستعار الذي استخدمته أيضاً في عدد من مقالاتها المبكرة. وفي تلك المرحلة، بدأت تتحول تدريجياً من الكتابة بالفرنسية إلى العربية، واعتمدت اسم "مي" بدلاً من اسمها الأصلي ماري.
كانت مي زيادة قارئة نهمة، وتأثرت في بداياتها بعدد من كتاب النهضة والمقالة، من بينهم أحمد فارس الشدياق، وأديب إسحق، وأمين الريحاني، وملك حفني ناصف. ونشرت مقالات تناولت قضايا اجتماعية وأدبية وقومية وفكرية، إضافة إلى النقد الأدبي، في صحف ومجلات مثل "المحروسة" و"الزهور" و"الهلال".
وفي الوقت نفسه، واصلت توسيع معارفها اللغوية، فتعلمت اللاتينية والإنجليزية والألمانية على أيدي مدرسين خصوصيين، كما التحقت بمدرسة البنات اليونانية لدراسة اللغة اليونانية والرسم، قبل أن تعلم نفسها لاحقاً اللغة الإسبانية.
وخلال الحرب العالمية الأولى، تابعت دراسة عدد من المواد في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً)، وحضرت محاضرات في تاريخ الفلسفة والأخلاق، وتاريخ الأدب العربي، والتاريخ الإسلامي، وهو ما أسهم في تعميق تكوينها الفكري.
وبين عامي 1918 و1934، نسجت علاقات فكرية وصداقات مع عدد من المستشرقين الإسبان والإيطاليين والفرنسيين والإنجليز والألمان، التقت ببعضهم في القاهرة أثناء عملهم الأكاديمي أو زياراتهم البحثية، وتبادلت المراسلات مع آخرين.
وأولت مي زيادة اهتماماً خاصاً بقضايا النساء والتعليم، فألقت محاضرات وعبرت عن آرائها في الشأن التربوي، ووطدت صلاتها بجمعيات نسائية في القاهرة ودمشق وبيروت.
صالون الثلاثاء في عام 1913، أسست مي زيادة صالونها الأدبي المعروف بـ"صالون الثلاثاء"، الذي استمر نشاطه قرابة عشرين عاماً، وجمع عدداً من أبرز أعلام الفكر والأدب والعلم في ذلك الزمن، من بينهم شبلي شميل، وخليل مطران، والشيخ مصطفى عبد الرازق، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد لطفي السيد، وعباس محمود العقاد، وسلامة موسى، وطه حسين، ويعقوب صروف، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم. وقد كان بعض رواد الصالون يطلقون عليها وصف "فراشة الأدب"، في إشارة إلى تنقلها بين مجالات فكرية وأدبية متعددة، وقدرتها على إدارة حوارات غنية ومتنوعة.
وكانت هدى شعراوي، إحدى أبرز رموز الحركة النسوية في مصر، تحضر الصالون أحياناً. ووصف طه حسين صالون مي زيادة بقوله: "كان صالون مي صالوناً ديمقراطياً"، في إشارة إلى انفتاحه وتنوع رواده.
وشارك في الصالون رجال ونساء من المصريين والسوريين والأوروبيين، يتبادلون النقاش في قضايا الأدب والفكر والفن بلغات متعددة، ولا سيما العربية والفرنسية والإنجليزية. وكان البرنامج يتنوع بين إلقاء قصائد، وقراءة مقالات، والاستماع إلى مقطوعات موسيقية أو أغانٍ.
وعلى الرغم من إعجاب عدد من كبار المثقفين بها، ظلت علاقة مي زيادة العاطفية الأبرز مرتبطة بجبران خليل جبران، الذي تبادلت معه مراسلات استمرت نحو عشرين عاماً، من عام 1911 حتى وفاته في نيويورك عام 1931، من دون أن يلتقيا وجهاً لوجه. ولم تتزوج مي زيادة رغم كثرة المعجبين بها.
وفي النصف الأول من عشرينيات القرن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
