لماذا ازدهر قطاع "مدرّبي الحياة" في العقدين الأخيرين؟ أليس الادعاء بأن كل شخص يمكنه أن يصل إلى القمة بمجرد تبني "العقلية الصحيحة" وهماً؟

"الأنبياء الجدد": ماذا يكشف انتشار "مدرّبي الحياة" عن عالمنا اليوم؟ صدر الصورة،

ربما لو عاد الأنبياء إلى عالمنا في الوقت الراهن لعملوا كـ"مدرّبي حياة" (لايف كوتشز Life Coaches) بدوامٍ كامل.

عوضاَ عن الصعود إلى الجبال والتبشير في الطرقات بين الجموع، كان هؤلاء سيظهرون على الأرجح في قاعات المؤتمرات، وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، وفي مقاطع فيديو قصيرة تعدنا بأن نصير "النسخة الأفضل من أنفسنا".

في أحيان كثيرة، يظهر مدرّبو الحياة في مقاطع مصوّرة كما لو أنهم يخاطبون شخصاً يجلس قبالتهم خارج إطار الكاميرا.

وفي أحيان أخرى، ينظرون بثبات إلى الكاميرا، يحملون قلماً بيدهم، كدليل مفترض على الجدّ أو العلمية.

تتراوح نبرتهم بين الهدوء الأبوي والحزم القيادي، يرفعون صوتهم عند الحاجة قبل أن يطلقوا نصيحة حاسمة عن العلاقات، أو عن "قيمة الذات"، أو عن الطريق إلى النجاح...

الكاميرا قريبة، الإضاءة مدروسة، الخلفية مرتّبة بعناية: مكتبة أنيقة، نبات أخضر، مكتب نظيف. كل شيء يوحي بالسيطرة والاتزان.

خلال العقدين الأخيرين، تحوّل "مدرّبو الحياة" من ظاهرة هامشية إلى صناعة عالمية مزدهرة.

لم تعد نصائح تحسين الذات تقتصر على رفوف المكتبات، بل صارت لغة يومية تتسلّل إلى الشركات، والعلاقات، وحتى إلى فهمنا لألمنا الشخصي.

تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة

الأكثر قراءة نهاية

ورغم أنّ بعض هؤلاء المدربين يقدمون دعماً فعلياً أو عزاءً لأشخاص يمرون بأزمات حقيقية، وخصوصاً من يبحثون عن نتائج سريعة وملموسة مقارنة بمسارات علاج نفسيّ قد تمتد لسنوات، فإن ذلك لا يعفي هذه الظاهرة الثقافية من المساءلة ضمن سياقها الأوسع.

فلماذا ازدهر قطاع "مدرّبي الحياة" في العقدين الأخيرين تحديداً؟ وما الذي يكشفه ذلك عن عالمنا اليوم؟

"خصخصة" المعاناة صدر الصورة،

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

يستحق الانتباه نهاية

في السنوات الماضية، تضاعفت أعداد مدرّبي الحياة وكتب "تطوير الذات"، وتغيّرت حتى اللغة التي نتحدث بها عن أمورٍ مثل الألم والفشل والقلق.

ما كان ينظر إليه في السابق، على سبيل المثال، كونه إرهاقاً ناتجاً عن شروط عمل غير مستقرة، أو بطالة ناتجة عن سوق عمل مختل، أو اكتئاباً ناجماً عن عوامل اجتماعية أو نفسية معيّنة، أصبح أعراضاً ناتجة في معظم الأحيان عن "خلل في إدارة الذات".

يرجع باحثون هذا التغيّر بشكل أساسي إلى تفكك دولة الرفاه، وتصاعد التنافسية ضمن ما يعرف بنظام الجدارة (meritocracy)، حيث أصبح الفرد مطالباً بإدارة حياته كما لو كانت مشروعاً استثمارياً.

أصبحنا مدعوين طيلة الوقت إلى إبدال السؤال من "ما هي المشكلة في البنى التي تشكّل المجتمع أو المجال العام" إلى "كيف تغيّر عقليتك؟ كيف تنظر إلى الأمور بشكل مختلف؟ كيف تطوّر مهاراتك الذاتية؟".

تشرح عالمة الاجتماع الفرنسية المغربية إيفا إيلوز هذا التحول ضمن ما تسميه بـ"الرأسمالية العاطفية"، حيث تتداخل لغة الاقتصاد مع لغة المشاعر.

لم تعد العواطف تفهم بوصفها تجارب إنسانية معقّدة، بل موارد يمكن تقييمها وفق منطق الكلفة والمنفعة. مشاعر كالخوف والغضب والحزن تصبح عوائق للإنتاجية و"سلبية" ينبغي تجاوزها. حتى الرضا يُحوَّل إلى وحدة قياس، كما في أدوات التدريب التي تطلب من الفرد تقييم حياته من 1 إلى 10.

بالنسبة لإيلوز في كتابها "السلع العاطفية" (2019)، ما يفعله خطاب التنمية الذاتية هو تحويل الشعور بالألم إلى "مشكلة إدارية".

وعوضاً عن النظر إلى القلق كانعكاس لانعدام الأمان البنيوي، أصبح يُنظَر إليه على أنه نقص في الثقة بالنفس.

كما أصبح الشعور بانعدام القيمة، ضعفاً في تقدير الذات، بدلاً من كون مسألة اعتراف اجتماعي.

أما الفشل المهني، فيحال في الأغلب على قصور في التخطيط لدى الفرد وفي عجزه عن "مغادرة منطقة الراحة".

في خطاب التنمية الذاتية و"تدريب الحياة"، كل شيء ينبع من الداخل، وأي انتظار أو توقّع من الخارج يصبح اضطراباً أو على الأقل قصوراً يجب معالجته.

تعترف خصخصة المعاناة بالألم لكنها تنزع البعد السياسي منه، وتعيد تأطيره كفشل ذاتي في الإدارة العاطفية.

هكذا يصبح الخطاب الذي يعد بالتمكين الشخصي أداة لإدامة الوضع القائم. إذ طالما أن الحل يكمن داخلياً، فلن يكون ثمة حاجة لتغيير الخارج.

هنا يتحول الفرد إلى مشروع دائم التصحيح، بينما تبقى البنى التي تنتج التعاسة خارج المساءلة.

عبادة "الإيجابية" صدر الصورة،

في ثمانينات القرن الماضي، برز شعار "لا بديل" (ويُختصر غالباً بـ - There is no alternative - TINA)، وهو هو شعار سياسي واقتصادي شهير ارتبط برئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر .

وقد استخدم هذا الشعار للدفاع عن فكرة أن الرأسمالية القائمة على السوق الحر، وإلغاء القيود التنظيمية، وسياسات التقشّف، تمثّل الأنظمة الوحيدة الفعّالة والقابلة للتطبيق، ما يجعل معارضة هذه السياسات أمراً عديم الجدوى.

يكثّف هذا الشعار تفكيك دولة الرفاه و"انفلات" قوى السوق، حين أصبح سوق العمل أكثر مرونة بكثير، كما خضعت مجالات كانت تخضع سابقاً لتنظيم دولة الرفاه، مثل التعليم والصحة، لعمليات خصخصة متزايدة، ما زاد من الضغط الواقع على الأفراد.

ترى عالمة السياسة الألمانية جوليان ماري شريبر أن تطوّر النيوليبرالية منذ ثمانينيات القرن الماضي، شكّل محرّكاً قوّياً خلف التحوّل الذي شهدته صناعة "تطوير الذات" وانتشار مدرّبي الحياة.

في هذا الوقت، شهد ما يُعرف بـ"علم النفس الإيجابي" الذي نشأ في الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي ثم انتشر في أوروبا، صعوداً لافتاً.

تقول شريبر في كتابها "أفضل ألّا أفعل. تمرّدٌ ضد إرهاب الإيجابية" (2022)، إن مجتمعات "الحاضر السائل"، بحسب تسمية عالم الاجتماع البولندي زينغمونت باومن، انتقلت من ثقافة تقوم على المنع إلى "ثقافة الأمر".

فبدلاً من نهي "لا يجب عليك"، أصبحنا نسمع في كل مكان عبارة "يجب عليك".

في السابق، كان كثيرون يشعرون بالضيق لأنهم لم يُسمح لهم بالتعبير عن ذواتهم. أما اليوم، فيلجأ الناس إلى العلاج النفسي لأنهم مطالبون باستمرار بأن يريدوا شيئاً، بينما فقدوا الرغبة في كل شيء.

إنهم منهكون تحت وطأة سلسلة من الأوامر التي تفرض عليهم بلا توقف، بحسب شريبر، التي تكرّر هنا نظرية يتبناها مفكرون ومحللون نفسيون كثر، أبرزهم المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان، لوصف الانقلاب الذي شهده العالم على مستوى البنى النفسية في النصف الثاني من القرن العشرين.

كما ترى شريبر أن "عبادة الإيجابية" هذه لها تبعات سياسية "مدمّرة". إذ أنه من الصعب اجتماعياً إحداث أي تغيير إذا لم يعد الناس يرون أنفسهم كجماعة يعتمد أفرادها بعضهم على بعض، بل باتوا يعتقدون أنهم مسؤولون بالكامل عن نجاحاتهم كما عن إخفاقاتهم.

كثيرون يفضّلون الاستعانة بمدرّب حياة حتى الإنهاك، بدلاً من النضال ضمن نقابات من أجل شروط عمل أفضل، مثلاً.

وتضيف أن ما اعتبره الفيلسوف الألماني كارل ماركس شرطاً أساسياً لتشكّل الوعي الطبقي - أي إدراك أن الآخرين يعانون كما نعاني - أصبح أمراً نادراً على نحو متزايد. وحتى من دون الحديث عن ثورة، فإن الإصلاحات الاجتماعية تعجز عن تغيير الواقع حين يدّعي الجميع أن الأمور على ما يرام.

وتشير إلى أن أطروحتها الأساسية هي أنه "لا يمكننا التفكير في المشكلات الاجتماعية فرادى وبصورة فردية فقط. فالنهج النفسي الفرداني لا يفعل سوى تكريس الوضع القائم".

وتضيف شريبر "لقد أصبحت السعادة شكلاً من أشكال المكانة الاجتماعية، علينا أن نظهرها باستمرار للآخرين. وإذا غاب هذا المؤشر على الإيجابية، يُنظر إلى النقص بوصفه خللاً. تحوّلت السعادة إلى معيار، وكل ما هو دونها يُعدّ قصوراً. وهناك أسباب عدة لذلك".

من هذه الأسباب برأيها، تأتي "سردية النمو" التي لم تتوقف عند حدود الاقتصاد، بل امتدت.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 7 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 11 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 9 ساعات
بي بي سي عربي منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 21 ساعة
قناة يورونيوز منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 6 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 6 ساعات
سكاي نيوز عربية منذ 12 ساعة