أظهرت دراسة حديثة أن الجينات والتجارب الحياتية تترك بصمات دائمة على خلايا الجهاز المناعي، ما يفسر اختلاف استجابة الأشخاص لنفس العدوى، ويفتح الباب أمام علاجات أكثر تخصيصًا لكل فرد.
جائحة كوفيد-19 أبرزت هذا الاختلاف بوضوح؛ فبينما يعاني بعض المصابين أعراضًا خفيفة، يصاب آخرون بأعراض شديدة. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تختلف نتائج الإصابة لشخصين بنفس الفيروس؟
الجواب يكمن جزئيًا في الاختلافات الجينية التي نرثها، وتجارب الحياة التي نمر بها من عدوى ولقاحات وبيئة مختلفة، هذه العوامل تؤثر على خلايا الجسم عبر تغييرات دقيقة تُعرف باسم التغيرات اللاجينية، هذه التغيرات لا تغير تسلسل الحمض النووي نفسه، بل تتحكم في تشغيل أو إيقاف بعض الجينات، ما يحدد سلوك الخلايا ووظيفتها.
قاعدة بيانات جديدة لخلايا المناعة قام باحثون في معهد "سالك" الأمريكي، بتطوير قاعدة شاملة تُميز بين تأثير الجينات الموروثة وتجارب الحياة على أنواع مختلفة من خلايا المناعة، نُشرت نتائجها في مجلة "نيتشر جينيتكس" في يناير 2026.
يقول الدكتور جوزيف إيكر، كبير الباحثين: "خلايا مناعتنا تحمل سجلًا جزيئيًا يجمع بين جيناتنا وتجارب حياتنا، وهاتان القوتان تشكّلان الجهاز المناعي بطرق مختلفة. تظهر الدراسة أن العدوى والتعرض للبيئة يترك بصمات لاجينية دائمة تؤثر في سلوك الخلايا المناعية".
تحتوي كل خلية على نفس الحمض النووي، لكن الخلايا تختلف في شكلها ووظيفتها بحسب دورها، جزء من هذا الاختلاف يُفسر عبر العلامات اللاجينية، وهي جزيئات صغيرة مرتبطة بالحمض النووي تتحكم في أي الجينات تُشغل وأيها تبقى خاملة، مجموعة هذه التعديلات داخل الخلية تُعرف باسم اللاجينيوم.
اللاجينيوم ديناميكي؛ بعض التغيرات تتحكم بها الجينات الموروثة، وبعضها يتشكل عبر تجارب الحياة، خلايا المناعة تتأثر بالاثنين معًا. قبل هذه الدراسة، لم يكن معروفًا كيف تؤثر التغيرات اللاجينية الموروثة أو المكتسبة على خلايا المناعة بشكل منفصل.
العدوى وخلايا المناعة درس فريق معهد سالك عينات دم من 110 أشخاص بخلفيات جينية وتجارب حياتية مختلفة، شملت تعرضهم للإنفلونزا، فيروس HIV، MRSA، SARS-CoV-2، تلقي لقاح الأنثراكس، وبعض المبيدات العضوية.
ركز الباحثون على أربعة أنواع رئيسية من خلايا المناعة: الخلايا T وB: مسؤولة عن الذاكرة المناعية طويلة المدى. والوحيدات والخلايا القاتلة الطبيعية: تستجيب بسرعة وبشكل عام للتهديدات.
من خلال دراسة العلامات اللاجينية في كل نوع، أنشأ الفريق فهرسًا تفصيليًا للعلامات اللاجينية، بما في ذلك المناطق الميثيلية المختلفة (DMRs).
يقول الدكتور وبين دينغ، أحد الباحثين: "وجدنا أن الطفرات الجينية المرتبطة بالأمراض غالبًا ما تؤثر عبر تغيير الميثيلة في خلايا مناعية محددة. من خلال رسم هذه الروابط، يمكننا تحديد أي الخلايا والمسارات الجزيئية تتأثر، وفتح آفاق لعلاجات مستهدفة أكثر".
التفرقة بين الجينات والتجارب الحياتية نجحت الدراسة في تمييز التغيرات اللاجينية المرتبطة بالجينات الموروثة وهي توجد بالقرب من مناطق جينية مستقرة، خاصةً في الخلايا T وB طويلة العمر، عن الجينات المرتبطة بتجارب الحياة، وهي تركّز في مناطق تنظيمية أكثر مرونة تتحكم في استجابات مناعية محددة.
النتيجة كانت أن الجينات الموروثة تضع أساسًا مناعيًا طويل الأمد، بينما تجارب الحياة تضبط الاستجابات بشكل أكثر مرونة حسب الموقف.
وتؤكد النتائج أن الطبيعة والبيئة معًا تشكّلان هوية خلايا المناعة وسلوك الجهاز المناعي، فيما توفر قاعدة البيانات إطارًا أوليًا لتطوير استراتيجيات علاج ووقاية مخصصة لكل شخص.
ويوضح الدكتور وانغ: "مع إضافة المزيد من عينات المرضى، قد نتمكن من التنبؤ بكيفية استجابة الأفراد للعدوى قبل التعرض لها. يمكن استخدام اللاجينيوم للتوقع كيف ستؤثر العدوى على الجسم، ومن ثم توجيه العلاج بدقة أكبر".
وتعتبر الدراسة خطوة كبيرة نحو علاجات وقائية ومخصصة للأمراض المعدية والجينية، وتوفر أداة لفهم لماذا يمرض بعض الناس أكثر من الآخرين، وكيف يمكن تحسين العلاج حسب الخصائص الجينية والبيئية لكل شخص.
هذا المحتوى مقدم من العلم
