أميل فى اللحظات الصعبة إلى الاحتفاظ بقدر من المسافات. لا أحب مطاردة الأعزاء بالسؤال والاستفسار لإثبات مكانتهم عندى وإعلانها لهم. لا داعى لاستنزاف طاقة من أحب وإهدارها فى أمور لا مكان لها على سلم أولويات اللحظة وما تفرضه.
هكذا، وبعد اللقاء الأخير، ابتعدت إلى مسافة غير مزعجة، أسأل منها وأتابع محتفظا بمشاعرى لنفسى فى موقف تكون فيه الأعصاب أوتارا مشدودة تكاد تنقطع، والمشاعر مكشوفة هشة تكاد تتطاير شظايا.
أتذكر بدقة تفاصيل المشهد الذى بلغتنى فيه هذه الرسالة. نفس هذه الأيام من فبراير قبل سنوات عشر، كنت أهم بالنزول من سيارتى أمام منزلى، عندما وصلنى صوت أحد الأسماء التى أبذل الجهد حتى لا أطاردها بالسؤال.
«أخبارك؟ انت كويس؟ إنچى والولاد؟ باكلمك بس علشان أبلغك سلامه».
كان صاحب الصوت هادئا وودودا كما تعودته دائما، وتصورت أنها طمأنة كريمة تقدر حجم المحبة وعمقها.
بعدها بأيام معدودة، كان أن امتلأت الصحف والشاشات بالحبر الأسود تنقل الخبر، فتزاحمت الوجوه الواجمة فى خط ممتد تقاطر من نيل الجيزة، مرورا بقلب القاهرة القديمة، وحتى موقع مساحة من أرض محدودة على أطراف المدينة تستوعب الجسد.
كثيرا ما أفتقد مهارة قراءة الإشارات وتفسيرها، فلم يأت ببالى أنها إشارة نهائية، إلا بعد أن عرفت أن حامل الرسالة الأمين عليها، كان قد نقلها فى موعد حدده من كلفه بها.
الرسالة الثانية:
تقف شجرتك أمامى الآن فى مرحلة شبابها. انتقلت إلى هذا المكان شجيرة فى بدايات عمرها من حديقتك إلى حديقتى. وكما تعودت أنت أن تغلف كل حديث بقدر من التفاصيل الجاذبة، لم أزرع الشجرة إلا وقد عرفت بعض ما تيسر عن أصلها وفصلها، حتى أستطيع رعايتها.
تقول كتب علم النبات أنها من النباتات الاستوائية، لكن قدرتها على التكيف ــــ طالما توافر لها الماء ــ تجعل حياتها فى أجواءنا ممكنة، وهى من الأشجار طويلة العمر.
أزهرت للمرة الأولى بعد انصرافك بأيام، وانتظمت فى توقيتها بعد ذلك بشكل مدهش.
بدأ لونها الأخضر الآن يميل إلى درجة فاتحة شديد النقاء ليعلن أن الزهر أوشك على التفتح للمرة العاشرة.
لها نفس الدقة التى رافقتك دائما، فكأنها رسولًا يحمل منك رسالة سنوية لوصل ما انقطع من طمأنة متبادلة،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
