تتحول المملكة بمجرد ثبوت رؤية هلال رمضان إلى حالة كرنفالية فريدة، لا تتغير فيها مواعيد العمل والنوم فحسب، بل تُعاد صياغة الجغرافيا العاطفية للمنازل عبر روائح التوابل التي تفوح من المطابخ قبيل الغروب.
ليست المائدة الرمضانية السعودية مجرد عرض أطباق، وإنما هي وثيقة تاريخية حية تروي قصص القوافل التجارية، وتأثيرات الحجاج، وطبيعة الأرض القاسية التي روضها الإنسان السعودي ليخلق منها أطباقًا تقاوم العطش وتمنح الطاقة.
في هذا التقرير، نغوص خلف الكواليس التاريخية والثقافية لهذه الأطباق التي تحولت من مجرد طعام إلى طقوس مقدسة لا يكتمل الشهر الفضيل دونها.
طقوس فك الريق .. البداية المقدسة قبل أن تمتد الأيادي إلى ما لذ وطاب، يفرض البروتوكول السعودي المتوارث قانونه الصارم لحظة انطلاق مدفع الإفطار، حيث يبدأ الجميع بـ فك الريق .
لا يمكن لأي طبق مهما بلغت فخامته أن يزاحم التمر على كرسيه الملكي في تلك اللحظة.
يتناول الصائمون بضع تمرات من السكري أو الخلاص أو العجوة، مصحوبةً برشفات من الماء أو اللبن، وأحيانًا فنجان من القهوة السعودية الشقراء الغنية بالهيل والزعفران.
هذه البداية ليست صحية فحسب، بل هي تطبيق حرفي للسنة النبوية وجزء من الهوية الوطنية التي ترى في النخيل رمزًا للعطاء والبقاء، وهي اللحظة التي توحد جميع الموائد من شمال المملكة إلى جنوبها قبل أن يتفرقوا لأداء صلاة المغرب والعودة إلى الوليمة الكبرى .
الثالوث الذهبي: الشوربة والسمبوسة والفيمتو بعد العودة من الصلاة، تتجلى على المائدة السلطة الثلاثية التي لا تقبل النقاش في معظم البيوت السعودية.
يتربع طبق الشوربة في المنتصف، وغالبًا ما تكون شوربة الحب (القمح الكامل) أو الشوفان (كويكر) المطبوخة بمرق اللحم والليمون الأسود (اللومي)، وهي الحضن الدافئ الذي يهيئ المعدة بعد ساعات الصيام الطويلة.
إلى جوارها، تزهو السمبوسة تلك المثلثات الذهبية المقرمشة التي، ورغم أن الروايات التاريخية ترجح أصولها الهندية وانتقالها عبر اليمن إلى الخليج، إلا أنها حصلت على الجنسية السعودية بامتياز، بحشوات اللحم المفروم والبقدونس أو الجبن، لتصبح رفيقة الإفطار الدائمة التي يتسابق الأطفال والكبار على التهامها ساخنة.
يكتمل هذا المشهد بوجود الفيمتو ، ذلك المشروب التوتي القادم من مانشستر البريطانية.
قصته أشبه بالخيال، فقد وصل إلى الخليج لأول مرة عام 1927 عبر شركة العوجان، وسوّق في بداياته عام 1908 كشراب صحي يمنح الطاقة.
اليوم، تحول لونه الأحمر القاني إلى رمز بصري لرمضان في الذاكرة السعودية والخليجية، حيث يرتبط مشهد صبه في الأكواب الزجاجية وتزاحم مكعبات الثلج بداخله بلمة العائلة وصوت التراويح، متجاوزًا كونه مجرد مشروب سكري ليصبح أيقونة العطش التي تروي ذكريات الأجيال.
الحجاز.. كرنفال الفول و السوبيا في الأزقة عندما نيمم وجوهنا شطر المنطقة الغربية (مكة، جدة، المدينة)، نجد أن رمضان هناك له طعم الشارع .
تتسيد أطباق الفول والتميس المشهد بلا منازع؛ فالفول المطبوخ في الجرات الضخمة والمبخر بـ الجمرة والمضاف إليه السمن البري أو زيت الزيتون، ليس مجرد طبق جانبي، بل هو وجبة الإفطار الرئيسية التي يُغمّس فيها خبز.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوئام


