صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب «تفكيك السلفية.. تحولاتها وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال» للباحث المغربي الدكتور محمد بوشيخي، في محاولة علمية لرصد المسارات التاريخية والفكرية التي عبرتها السلفية، وتحليل التحولات التي مست بنيتها وهويتها، وصولًا إلى تداخلها مع الحركات الجهادية المعاصرة.
رؤية تفكيكية لمسار متحول يقدم الكتاب رؤية جديدة في دراسة السلفية ومعالجة موضوعاتها وحل إشكالاتها، عبر تفحص شفرة التحولات التي طالتها وأثرت في تركيبتها. فلا يرى المؤلف جدوى من تعريف السلفية أو البحث في ماهيتها دون تتبع مقولاتها ومساراتها التاريخية ومنعرجات تطورها.
من أهل الأثر إلى ابن تيمية يتناول الفصل التمهيدي المحطات الأساسية في تطور الفكر السني، باعتبار استيعابها شرطًا لفهم السلفية المعاصرة، بدءًا من نشأة مدرستي أهل الأثر وأهل الرأي، وما أعقب ذلك من شقاق بين المحدثين والفقهاء، مرورًا بمحنة أهل الحديث في شخص ابن حنبل وأحمد بن نصر الخزاعي، وصولًا إلى التشكل الملتبس للمذهب الحنبلي، ثم ظهور ابن تيمية الذي قدّمته قراءات انتقالية معاصرة بوصفه راعيًا للتطرف والجمود، بدل اعتباره رائدًا للتحرر والانفتاح.
المحدثون الهنود والدعوة النجدية يتوقف الكتاب عند صعود نجم المحدثين الهنود منذ القرن التاسع الهجري، وارتباطهم بالدعوة النجدية خلال حياة الهندي محمد إسماعيل بن عبد الغني (1193-1246هـ/ 1779-1831م)، ودخول المتأثرين به إلى الحقل الديني السعودي الخاضع لهيمنة أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروفين بـ«الوهابية». وقد أتاح تقارب الانتماء العقدي تبادل الزيارات وإقامة عدد من المحدثين الهنود في الأراضي المقدسة، ما مهّد لعودة مدرسة أهل الحديث إلى مركز العالم العربي الإسلامي بعد قرون من هيمنة المذاهب الفقهية.
«الحديثية الإحيائية» وهزة الثوابت يرصد المؤلف بروز جيل «المحدثين الإحيائيين» أو أصحاب «الحديثية الإحيائية»، الذين أعادوا إحياء أصول اندثرت طويلًا تحت ضغط المذاهب الفقهية والسلطة السياسية، مثل القراءة الظاهرية للنص، ووضع السنة في مرتبة القرآن، ونسخ الحديث للقرآن. وقد مثّل محمد الدهلوي ومحمد ناصر الدين الألباني أبرز رموز هذا التيار، الذي أثار إشكالات عميقة حول علاقة القرآن بالسنة، من بينها القول بحجية خبر الآحاد في العقائد وقوته في نسخ القرآن وتكفير من يرده.
تقاطع المسارات بين سيد قطب والألباني يتناول الكتاب كذلك دور سيد قطب بوصفه «المثقف التصحيحي» الذي ربط الرؤية الجهادية بالأصول العقدية، مؤسسًا لمنهج تغييري قائم على «التلازم بين النمو الحركي والنمو النظري» ومرتكزاته الثلاث: رفض الفقه التقليدي، واعتبار الجهاد منتجًا للفقه، ومرحلية أحكام الشريعة.
وفي المقابل، يوضح كيف تطور خطاب الألباني في سياق التفاعل مع الواقع السياسي نحو استعارة مفاهيم «الجاهلية» و«الحاكمية» و«المفاصلة»، ما أوجد نوعًا من التطابق في تحليل الواقع والتماثل في تغييره بين الألبانية والقطبية، وأسهم في منح الأخيرة شرعية دينية داخل الأوساط الجهادية، لتبدأ عملية «التهجين» التي بلورت ما عُرف لاحقًا بـ«السلفية الجهادية».
من الحالة الفكرية إلى التنظيم المسلح يشير الكتاب إلى انتقال «السلفية الجهادية» من حالة فكرية هلامية إلى حالة تنظيمية مع تأسيس «جماعة قاعدة الجهاد» عام 2000، وما أعقبه من أحداث 11 سبتمبر 2001 التي كرست وعيًا جديدًا بإمكان تحول الجهاد إلى فاعل في السياسة الدولية. لكن هذا التحول عمّق أيضًا التباينات داخل التيار بين المكون السلفي/الألباني والمكون الحركي/القطبي.
صراع القلم والسيف وأخيراً يتناول الكتاب التحول الذي ورّط السلفية الجهادية في معترك الصراع الدولي سوف يؤدي إلى تفاقم التباينات الصميمية بداخلها بين مكونيها السلفي/الألباني من جهة والحركي/القطبي من جهة أخرى. وهو ما تجسد على مستوى الصراع الذي لم يعد مستترًا بين القيادات الشرعية المتشبعة بالسلفية والقيادات الميدانية الممتثلة للمنهج القطبي ثم انعكاس ذلك في استخفاف الجهاديين بالعلم الشرعي وإيمانهم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
