شكّل كتاب «الأمن القومي للخليج العربي» للدكتور محمد رضا فُودة، الصادر في أواخر القرن الماضي، انعكاساً فكريّاً لمرحلة تاريخية كانت تُقاس فيها معادلة الأمن الوطني في الخليج العربي وفق محددات جيوسياسية تقليدية، تمحورت حول التهديدات العسكرية المباشرة، وأمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية، والتوازنات الإقليمية الصلبة. وقد عكست أطروحات فُودة إدراكاً باكراً لحساسية الموقع الاستراتيجي للخليج بصفته مركزاً حيويّاً للنظام الاقتصادي العالمي، في ظل بيئة إقليمية متوترة، وواقع أمني اتسم بالاعتماد النسبي على الضمانات الدولية والتحالفات الخارجية.
غير أن قراءة هذه السردية في السياق الاستراتيجي الراهن تكشف عن تحوّل جذري في مفهوم الأمن الوطني الخليجي، إذ لم يَعُدْ الأمن يُختزل في البُعد العسكري أو الدفاعي التقليدي، بل أصبح مفهوماً مركباً يرتكز على الأمن الشامل المتعدد الأبعاد، ففي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ركّزت الأدبيات الاستراتيجية، ومن بينها طرح فُودة، على التهديدات الصلبة ذات المصدر الواضح، مثل النزاعات الإقليمية، وأمن الملاحة، واستقرار إمدادات الطاقة، في حين بقيت التهديدات غير التقليدية خارج نطاق التحليل الأمني المؤسسي.
أما في المرحلة الراهنة، فقد أعادت التحولات الدولية المتسارعة، وصعود التنافس الجيوسياسي، والثورة التكنولوجية، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، صياغة سردية الأمن الوطني في الخليج من إطار «أمن الحماية» إلى إطار «أمن الاستباق».
ولم يَعُد معيار القوة الأمنية يُقاس بقدرة الدولة على الردع العسكري فقط، بل بقدرتها على إدارة المخاطر الاستراتيجية، واستشراف التحولات، وبناء مرونة مؤسسية قادرة على التعامل مع بيئة دولية تتسم بالتعقيد وعدم اليقين أيضاً، وهو ما يتجاوز المنظور التقليدي الذي ساد في مرحلة الكتاب المذكور. ويمكن القول إن أطروحات فُودة كانت دقيقة في تشخيص مركزية الجغرافيا السياسية، وأهمية التحالفات الدولية في تحقيق الاستقرار الإقليمي، إلا أنها لم تستشرف طبيعة التهديدات الهجينة التي باتت تشكّل السمة الغالبة للبيئة الأمنية المعاصرة، فالتهديد اليوم لم يعد عسكريّاً صرفاً، بل أصبح متعدد المجالات، يمتد إلى الفضاء السيبراني، وسلاسل الإمداد، وأمن البيانات، والتأثيرات الإعلامية والإدراكية، وهي أبعاد لم تكن مطروحة بالعمق نفسه في الأدبيات الأمنية الكلاسيكية.وفي هذا السياق برزت الحوكمة المستقبلية مرتكزاً جوهريّاً في معادلة الأمن الوطني الحديثة، لا بصفتها أداة إدارية فحسب، بل رافعة استراتيجية أيضاً لتحقيق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
