تسعى الصين إلى تحقيق توازن دقيق بين مكاسب الإنتاجية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والحفاظ على استقرار سوق العمل، إذ قد تؤدي الأتمتة إلى إزاحة العمال وإطلاق دوامة اقتصادية سلبية.
وفي الوقت نفسه، يحتاج الحزب الشيوعي إلى ضمان خلق فرص عمل كافية لتجنّب الاضطرابات الاجتماعية، بالتوازي مع منافسة الولايات المتحدة في سباق القدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي ستدعم التصنيع المتقدم والتكنولوجيا بحسب «بلومبيرغ».
أثار دفع بكين نحو دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد مخاوف متزايدة بشأن فقدان الوظائف، إذ شهدت قطاعات مثل المحاسبة والتحرير والمبيعات والبرمجة تراجعاً أكبر في التوظيف بسبب تعرّضها المرتفع لنماذج اللغة الكبيرة.
سباق الذكاء الاصطناعي في بث الموسيقى.. هكذا يعاد تشكيل السوق
وبعد أيام من عرضٍ لروبوتات بشرية الشكل تؤدي حركات بهلوانية خلال احتفالات رأس السنة إلى جانب راقصين، هزّت شركة أبحاث صغيرة الأسواق الأميركية بتحذير حاد من أن الأتمتة قد تطلق دوامة اقتصادية عبر إزاحة العمال. وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإن صور الروبوتات وهي تؤدي عروضاً قتالية إلى جانب البشر سلطت الضوء على التحدي الذي تواجهه بكين في الموازنة بين الإنتاجية والاستقرار الوظيفي.
معضلة القيادة
تجد القيادة الصينية نفسها أمام معضلة واضحة: لا تستطيع الصين إبطاء تقدمها في سباق الذكاء الاصطناعي مع واشنطن، لما لهذه التقنيات من دور حاسم في الصناعات المتقدمة والتطور العسكري. لكن في المقابل، يحتاج الحزب الشيوعي إلى الحفاظ على مستويات توظيف كافية لتفادي اضطرابات اجتماعية، خصوصاً في ظل ارتفاع بطالة الشباب.
وقد أعلنت وزارة الموارد البشرية الصينية أخيراً أنها تعمل على إعداد إرشادات سياسات لمعالجة تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف قبل صدور الخطة الخمسية المقبلة، فيما وصف مسؤولون ضغوط التوظيف الناتجة عن هذه التكنولوجيا بأنها «حتمية».
سيارات الأجرة ذاتية القيادة
وفي مثال عملي على التوتر بين الأتمتة والوظائف، أثار إطلاق سيارات الأجرة ذاتية القيادة من «بايدو» في مدينة ووهان مخاوف السائقين من فقدان أعمالهم، قبل أن توسّع الشركة الخدمة إلى أكثر من 20 مدينة.
كما قضت هيئات التحكيم العمالي بأن استبدال العامل بالذكاء الاصطناعي يعد قراراً تجارياً، ما يفرض على الشركات إعادة تدريب الموظفين أو نقلهم قبل إنهاء خدماتهم.
تباطؤ اقتصادي يزيد الحساسية
تتبنى بكين ما تسميه نهج «الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان»، جزئياً لأن شرعية الحزب ترتبط بتحسن مستويات المعيشة. غير أن تباطؤ الاقتصاد وأزمة العقارات الطويلة أضعفا سوق العمل؛ إذ بلغ صافي الوظائف الجديدة بين 2020 و2024 نحو 21 مليون وظيفة فقط، أقل من نصف ما تحقق في السنوات الخمس السابقة، فيما ظل معدل بطالة الشباب فوق 15% خلال الأشهر الستة الماضية.
«بايدو» الصينية تخسر 11 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال يناير
مسار مختلف عن الغرب
قد يتخذ تأثير الذكاء الاصطناعي في الصين شكلاً مختلفاً مقارنة بالولايات المتحدة، نظراً إلى غياب قطاع ضخم مهيمن عالمياً في البرمجيات كخدمة، في حين يقوم الاقتصاد الرقمي الصيني على أنظمة منصات كبرى مثل «علي بابا» و«تينسنت» و«بايت دانس»، ما قد يقلل من صدمات التقييم. ومع ذلك، يحذر خبراء من مخاطر حقيقية لإزاحة العمالة، ما قد يدفع الصين إلى توسيع الأسواق الخارجية للتخفيف من الضغوط.
انتقال مؤلم لكن محتوم
من ناحية أخرى، قد يخفف تراجع عدد السكان من وطأة الصدمة مع دخول عدد أقل من العمال إلى السوق، كما أن نظام التعليم المتطور قد يساعد على إعادة تدريب المتضررين. لكن معظم المحللين يتفقون على أن المرحلة الانتقالية ستكون صعبة.
وبحسب خبراء في الاقتصاد السياسي الصيني، فإن التقدم التكنولوجي في السنوات المقبلة سيقلص الوظائف، بما في ذلك وظائف للمتعلمين، في وقت لن يتمكن فيه الاقتصاد الجديد من النمو بالسرعة الكافية لتعويض الاقتصاد القديم على المدى القريب.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
