أدت الحملة العسكرية الأمريكية الأخيرة ضد إيران إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي قبيل القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، وسط تقديرات بأن التصعيد قد يمنح واشنطن أفضلية تفاوضية في أي محادثات ثنائية مرتقبة.
وجاءت العملية العسكرية في سياق سلسلة تحركات أمريكية استهدفت حلفاء رئيسيين لبكين. ففي يناير نفذت الولايات المتحدة عملية وصفت بالحساسة في كاراكاس أسفرت عن توقيف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أعقبها هجوم جوي أمريكي-إسرائيلي أدى إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. وتُعد فنزويلا وإيران من أبرز موردي النفط للصين، ما يضفي على هذه التطورات أبعادًا اقتصادية واستراتيجية مباشرة بالنسبة لبكين.
ومن المقرر أن يتوجه ترامب إلى بكين في زيارة يُتوقع أن تُعقد بين 31 مارس و2 أبريل، على أن تركز، وفق ما أعلنته إدارته، على ملفات التجارة والرسوم الجمركية. غير أن مستقبل القمة لا يزال غير محسوم، إذ لم تؤكد الصين رسميُا موعدها، كما لم يتضح ما إذا كانت المستجدات العسكرية ستؤثر في انعقادها.
وكان ترامب قد واجه في الآونة الأخيرة انتكاسة قانونية بعد أن أبطلت المحكمة العليا الأمريكية جانبًا من تعريفاته الجمركية، وهو ما اعتُبر تقليصًا لأدوات الضغط التي يستخدمها في مواجهة الصين. إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة بدت وكأنها تعيد رسم موازين القوة قبيل أي لقاء محتمل، إذ يجد شي نفسه أمام مشهد دولي أكثر تعقيدًا في ظل تحرك عسكري أمريكي واسع النطاق.
موقف بكين من الهجمات على إيران واكتفت بكين بإدانة العمليات التي تقودها الولايات المتحدة ووصفتها بأنها غير مقبولة ، داعية جميع الأطراف إلى ضبط النفس. ويرى محللون أن هذا الموقف المتحفظ يعكس إدراكًا صينيًا لمحدودية قدرتها على التأثير المباشر في التحركات العسكرية الأمريكية، فضلًا عن طبيعة علاقاتها مع شركائها، التي تقوم على المصالح المتبادلة أكثر من التحالفات الدفاعية الملزمة.
وفي هذا السياق، اعتبر السفير الأمريكي الأسبق لدى الصين نيكولاس بيرنز أن بكين تبدو حذرة في الدفاع عن شركائها الذين يواجهون ضربات أمريكية مباشرة، مشيرًا إلى أن سلوكها يعزز الشكوك الغربية بشأن مدى التزامها تجاه حلفائها في أوقات الأزمات.
اقتصاديًا، تواجه الصين مخاطر ملموسة. فهي أكبر مستورد للنفط الإيراني في العالم، إذ شكّل الخام الإيراني نحو 13.4% من إجمالي وارداتها البحرية العام الماضي. وأي اضطراب في الإمدادات، خصوصًا إذا امتد إلى مضيق هرمز، قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة ويضغط على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل كبير على قطاع صناعي كثيف الاستهلاك للطاقة.
ويرى خبراء أن بكين قادرة نظريًا على تنويع مصادر وارداتها النفطية، إلا أن فقدان الإمدادات الإيرانية في المدى القريب سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع هوامش الربح، ما قد ينعكس سلبًا على معدلات النمو والاستقرار الاقتصادي الداخلي.
كما تحمل العمليات الأمريكية رسالة استراتيجية تتجاوز الشرق الأوسط، إذ تؤكد قدرة الجيش الأمريكي على تنفيذ عمليات بعيدة المدى ضد خصومه أو شركائهم، وهو ما يراه محللون تذكيرًا لبكين بامتداد النفوذ العسكري الأمريكي عالميًا. وقال تشاو مينغهاو، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة فودان، إن الصين تدرس ما إذا كانت تحركات واشنطن في إيران وفنزويلا تهدف أيضًا إلى إعادة تشكيل توازنات سوق الطاقة الدولية بطريقة تزيد الضغوط على بكين.
هل تدعم الصين إيران عسكريًا؟ في المقابل، تراهن الولايات المتحدة على أن الصين لن تتدخل عسكريًا لدعم طهران، وأن انخراطها في الشرق الأوسط لن يمنح بكين فرصة فورية لتعزيز تحركاتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. غير أن مسؤولين أمريكيين أقروا بأن استمرار العمليات قد يضغط على مخزونات الذخائر الأمريكية، ما قد يؤثر على مستوى الردع المتوسط الأجل في حال تصاعد التوتر مع الصين بشأن تايوان.
ويرجح محللون أن تتجنب بكين الانخراط المباشر في أي مواجهة، مفضلة مراقبة التطورات وترك واشنطن تتحمل تبعات أي صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط. كما يُتوقع أن تستمر في رفض الروايات الغربية التي تتحدث عن تحالف عسكري بينها وبين إيران، مؤكدة أن علاقاتها تقوم على المصالح الاقتصادية والتنسيق السياسي دون التزامات دفاعية رسمية.
في ضوء ذلك، تبدو القمة المحتملة بين ترامب وشي محاطة بقدر كبير من الضبابية. فإذا مضت بكين في استضافة اللقاء، فقد تفعل ذلك وهي تراهن على أن الانخراط الأمريكي في نزاع ممتد سيستنزف قدراته على المدى الطويل. أما إذا قررت تأجيله، فقد يُفسَّر ذلك على أنه تجنب لمواجهة دبلوماسية في لحظة دولية شديدة الحساسية. وبين الحسابات العسكرية وأسواق الطاقة وملفات التجارة، تتقاطع المصالح الأمريكية والصينية عند مفترق طرق جديد، حيث قد تحدد تطورات الأسابيع المقبلة شكل العلاقة بين القوتين الأكبر في العالم خلال المرحلة القادمة.
هذا المحتوى مقدم من العلم
