يدفع التصعيد العسكري في المنطقة الأسواق العالمية إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، لكن القراءة الأعمق لرد فعل الأسواق والاقتصاد تشير إلى أن الاضطرابات السياسية لا تتحول بالضرورة إلى أزمات مالية طويلة الأمد.. لمزيد من الأخبار والتحليلات الاقتصادية تابعوا

يدفع التصعيد العسكري في المنطقة الأسواق العالمية إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، لكن القراءة الأعمق لرد فعل الأسواق والاقتصاد تشير إلى أن الاضطرابات السياسية لا تتحول بالضرورة إلى أزمات مالية طويلة الأمد.

فالتجارب التاريخية تظهر أن الأسواق تميل إلى امتصاص الصدمات بسرعة نسبية عندما تبقى الأساسيات الاقتصادية متماسكة، في وقت تلعب فيه البنية الأمنية والاقتصادية في الخليج دوراً محورياً في الحفاظ على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة العالمية.

هذه المعادلة، التي تجمع بين مرونة الأسواق من جهة، وقدرة البنية التحتية الحيوية على الاستمرار من جهة أخرى، تفسر لماذا يتحول كثير من المخاطر الجيوسياسية إلى عوامل إعادة توزيع للاستثمارات بدلاً من أن تكون بداية لدورات هبوط طويلة.

ارتفاع غالبية أسواق الخليج في آخر جلسات الأسبوع

الصدمات الجيوسياسية قصيرة الأثر

تشير تحليلات «مورغان ستانلي» (Morgan Stanley) إلى أن الأسواق المالية العالمية تمتلك تاريخاً طويلاً من التكيف مع الصدمات السياسية والعسكرية. فبدلاً من أن تقود هذه الأحداث إلى هبوط طويل في الأسهم، غالباً ما تتحول إلى تقلبات قصيرة الأجل يعقبها تعافٍ تدريجي.

وتظهر بيانات الأداء التاريخي لمؤشر «إس آند بي 500» (S&P 500) أن السوق سجل في المتوسط مكاسب بنحو 2% بعد شهر من الصدمات الجيوسياسية، و6% بعد ستة أشهر، و8% بعد عام، وهو نمط يعكس قدرة المستثمرين على إعادة تقييم المخاطر بسرعة عندما تتضح الصورة الاقتصادية.

ويرى البنك أن الأسواق تمر عادة بثلاث مراحل متتالية بعد أي صدمة جيوسياسية: الأولى هي مرحلة تسعير المخاطر الفورية حيث ترتفع التقلبات ويتجه المستثمرون إلى الأصول الآمنة. والثانية هي مرحلة إعادة التوازن حيث يبدأ المستثمرون في تقييم التأثير الفعلي للأحداث على الاقتصاد الحقيقي. أما المرحلة الثالثة فهي عودة التركيز إلى الأساسيات الاقتصادية مثل النمو والأرباح والسياسات النقدية.

وبحسب التقرير، فإن هذه الدورة تتكرر لأن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر قدرة على التكيف مع الأحداث الجيوسياسية مقارنة بالعقود السابقة، نتيجة تنوع سلاسل الإمداد وتطور الأسواق المالية.

ناقلتا نفط تمران عبر مضيق هرمز، يوم 21 ديسمبر 2018

إعادة توجيه الاستثمار بدلاً من إضعافه

لا يقتصر تأثير التوترات الجيوسياسية على تقلبات الأسواق فحسب، بل يمتد أيضاً إلى إعادة توجيه تدفقات الاستثمار عالمياً. ووفق قراءة أخرى لـ«مورغان ستانلي» فإن البيئة الدولية الأكثر توتراً تدفع الحكومات إلى زيادة الإنفاق على الدفاع والأمن والبنية التحتية الاستراتيجية، وهو ما ينشئ بدوره موجة استثمارية طويلة الأجل في قطاعات محددة.

فالتوترات المتزايدة بين القوى الدولية تدفع إلى تعزيز الطلب على الأنظمة الدفاعية المتقدمة، والأمن الصناعي، والتكنولوجيا المرتبطة بحماية البنية التحتية الحيوية. ويبين التقرير أن هذه القطاعات أصبحت تمثل أحد المحركات الجديدة لإعادة توزيع رؤوس الأموال في الأسواق العالمية.

كما أن زيادة الإنفاق الدفاعي لا تبقى محصورة في الصناعات العسكرية التقليدية، بل تمتد إلى قطاعات صناعية أوسع مثل التكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل التوريد الصناعية، والأنظمة المرتبطة بالبنية التحتية الحيوية.

وبهذا المعنى، تتحول الجغرافيا السياسية من مصدر تقلب إلى عامل يعيد تشكيل الخريطة الاستثمارية العالمية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالأمن الاقتصادي والاستقرار الاستراتيجي.

دول الخليج قلب المعادلة

في قلب هذه المعادلة تقف منطقة الخليج، التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة وتصديرها في العالم. ويعني ذلك أن قدرة المنطقة على الحفاظ على استقرار بنيتها التحتية الحيوية تشكل عاملاً حاسماً في استقرار الأسواق العالمية.

ويوضح تحليل صادر عن «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» (The Washington Institute for Near East Policy) أن أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي في دول الخليج أظهرت مستويات عالية من الكفاءة التشغيلية، مسجلة نسب اعتراض مرتفعة تجاوزت 94%.

وتعكس هذه الأرقام مستوى متقدماً من التكامل بين التكنولوجيا الدفاعية والقدرات التشغيلية، وهو ما يعزز حماية المنشآت الحيوية للطاقة والنقل في المنطقة.

اقتصادياً، يكتسب هذا العامل أهمية خاصة لأن حماية البنية التحتية النفطية وممرات الشحن تعني الحفاظ على استقرار الإمدادات العالمية، وهو عنصر أساسي في منع تحول التوترات الإقليمية إلى صدمات طاقة عالمية واسعة.

الصين تواجه تحديات الطاقة وتراهن على الإمدادات الخليجية

عائد اقتصادي للاستثمار في الدفاع

يذهب تحليل «معهد دول الخليج العربية في واشنطن» (AGSIW) إلى أبعد من ذلك، إذ يربط الأداء المرتفع لأنظمة الدفاع الجوي في المنطقة بسنوات من الاستثمار المتراكم في بناء منظومات دفاع متعددة الطبقات.

فارتفاع معدلات الاعتراض وتراجع الأضرار المادية يعكسان، بحسب التقرير، ما يمكن وصفه بـ «عائد الاستثمار الدفاعي»، أي أن الإنفاق طويل الأجل على الأمن والبنية الدفاعية ساهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي.

كما أن هذه القدرات لا تقتصر على البعد العسكري، بل تؤثر مباشرة في الاقتصاد عبر تعزيز ثقة الأسواق العالمية بقدرة المنطقة على حماية بنيتها التحتية الحيوية.

ويوضح التحليل أن التأثير الاقتصادي للصراع يعتمد بدرجة كبيرة على مدة التوتر العسكري. ففي حال كانت العمليات قصيرة الأمد، تبقى التداعيات الاقتصادية محدودة نسبياً، خصوصاً في منطقة أظهرت مرونة اقتصادية خلال أزمات سابقة.

أما إذا طال أمد الصراع، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن، وهو ما يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالطاقة والتجارة العالمية.

مرونة اقتصادات المنطقة

تُظهر التجارب السابقة أن اقتصادات الخليج تمتلك عوامل قوة هيكلية تساعدها على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية. وتشمل هذه العوامل الاحتياطيات المالية الكبيرة، والبنية التحتية المتطورة، والاستثمارات الاستراتيجية في قطاعات الطاقة واللوجستيات.

ويخلص تحليل المعهد إلى أن هذه العوامل عززت قدرة المنطقة على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي حتى في فترات التوتر الإقليمي، ما يقلل من احتمالات انتقال الأزمات السياسية إلى اضطرابات اقتصادية واسعة.

كما أن الاستثمارات الكبيرة في البنية الدفاعية والتكنولوجية ساهمت في تعزيز قدرة المنطقة على حماية الممرات التجارية الحيوية، وهو عامل حاسم بالنسبة للاقتصاد العالمي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الطاقة القادمة من الخليج.

وبينما يستمر المستثمرون في مراقبة التطورات الجيوسياسية، يبقى العامل الحاسم بالنسبة للأسواق هو قدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على توازنه بين المخاطر السياسية والأساسيات الاقتصادية، وهي معادلة أثبتت مراراً قدرتها على الصمود حتى في أكثر الفترات اضطراباً.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 32 دقيقة
منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 21 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة