في ممرات مراكز اتخاذ القرار من الدوحة إلى لندن وسنغافورة، لم تعد عبارة «القوة القاهرة» (Force Majeure) مجرد حبر قانوني جاف يسكن هوامش العقود طويلة الأمد.
هذا الأسبوع، تحولت هذه الكلمات إلى زلزال اقتصادي يعيد تعريف مفهوم الأمن اللوجستي؛ فعندما أعلنت «قطر للطاقة» تعذر تسليم بعض شحنات الغاز المسال، لم تكن تعلن عن عطل فني فحسب، بل كانت تدشن انتقال السوق من مرحلة التفاوض على السعر والكمية إلى مرحلة اختبار القدرة على الوجود والتسليم.
ومع تقديرات تشير إلى أن العودة الكاملة للتشغيل قد تستغرق أسابيع، أصبح المشهد يختصر كيف يمكن لكلمة قانونية واحدة أن تعيد تسعير المخاطر عالمياً؟ محولةً التزامات بمليارات الدولارات من خانة المضمونة إلى خانة المشروطة بالسلامة التشغيلية.
هنا، لا يصبح السعر هو العائق الوحيد، بل الإتاحة؛ فالمشتري الذي كان ينتظر شحنته لتشغيل محطات الكهرباء، يجد نفسه فجأة في سوق فوري مزدحم يرفع كلف التأمين والشحن بنسب لا تتحملها ميزانيات الدول الناشئة.
النفط والغاز من الشرق الأوسط شريان حياة الاقتصادات الآسيوية
تضخ قطر أكثر من 80 مليون طن سنوياً من الغاز المسال، تمثل العمود الفقري للصناعة في دول مثل كوريا الجنوبية واليابان والهند التي تعتمد على الدوحة بنسبة 45% من وارداتها.
وبمجرد صدور الإخطار القانوني، تحركت الأسواق بعنف، إذ تشير بيانات Argus Media و S&P Global إلى أن أسعار الغاز الفورية في آسيا (JKM) شهدت تذبذباً حاداً، حيث قفزت التوقعات بنسبة تصل إلى 150% في حال استمرار التعطل لأسابيع، من متوسط 10 دولارات إلى ما يقارب 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
إعادة تسعير المخاطر
يرى الباحث في السياسات الاقتصادية محمد الجابري أن العالم يعيش اليوم حالة من «القوة القاهرة المتسلسلة»، حيث تجاوزت الأزمة فكرة السلعة لتصبح اختباراً حقيقياً لصمود المنظومة الصناعية العالمية.
ويؤكد الجابري، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن هذا الواقع يضع دول الخليج أمام حتمية تاريخية للانتقال من تصدير الخام إلى تصدير القيمة المضافة، لتقليل الارتهان للممرات المائية القلقة التي باتت تفرض (علاوة مخاطر جيوسياسية) دائمة على العقود، مما ينهي عصر اليقين الضمني الذي تمتع به المستوردون لعقود.
بريدجيت باين، رئيسة قسم التنبؤات في قطاع النفط والغاز
المصدر: صورة من حساب بريدجيت باين على منصة ( لينكد إن)
بريدجيت باين، رئيسة قسم التنبؤات في قطاع النفط والغاز بـ«أكسفورد»، درست في وقت سابق مثل هذه الأوضاع في قطاع الطاقة وغيره، توضح لـ«إرم بزنس»، أن إعلان القوة القاهرة يعني تحلل الشركة من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، مما يضطر المشترين -خاصة في آسيا- للمسارعة نحو الشحنات الفورية لتعويض النقص القطري.
وتقول باين، إن إمدادات الغاز المتعاقد عليها ليست معزولة عن الاضطرابات الجيوسياسية، مما سيؤدي إلى إعادة تسعير أوسع للمخاطر في سوق الغاز المسال العالمي.
هذا الاضطراب، برأيها، سيخلق تأثيرات ارتدادية تبدأ بأسعار الغاز وتنتقل لأسعار الكهرباء وتكاليف الصناعات، وصولاً إلى التضخم العالمي الشامل.
عدوى سلاسل الإمداد
تكمن خطورة الإعلان القطري في «أثر الدومينو»؛ فالقوة القاهرة ليست حدثاً معزولاً، بل بداية لسلسلة قرارات انكسارية. فالمستورد يعلن حالة الطوارئ لموزعي الكهرباء، والمصانع كثيفة الاستهلاك للأسمدة والصلب تضطر لخفض الإنتاج أو تمرير زيادة التكلفة التي قد تصل إلى 30% للمستهلك النهائي.
هذا الانكسار في سلاسل الإمداد يغذيه تعطل الممرات المائية؛ إذ تشير بيانات «Kpler» إلى أن تحويل مسار الشحنات يضيف ما يصل إلى 20 يوماً من الانتظار وتكاليف باهظة.
وفي هذا السياق، يشرح الخبير الدولي للنقل البحري، عمرو قطايا، لـ«إرم بزنس»، الأبعاد اللوجستية للأزمة، مؤكداً أن تأخر الشحنات لمدة 20 يوماً يعني الحاجة لعدد سفن مضاعف لتغطية العمليات.
ويضيف قطايا معلومة جوهرية مفادها: «أن إعلان القوة القاهرة يرفع تكاليف التأمين على امتداد العقود، وسيفرض مستقبلاً أشكالاً جديدة من التعاقدات تلزم الشركات بالتحول لعقود طويلة الأجل أكثر صرامة».
ويشير إلى أن شركات البترول في السعودية والإمارات والكويت لم تتخذ مواقف مماثلة حتى الآن لاعتمادها على زيادة حصص من مصادر أخرى مثل روسيا إلى حين فك الحصار الملاحي.
عمرو قطايا، رئيس شركة Zenith Enterprise والخبير الدولي للنقل البحري.
المصدر: حساب عمرو قطايا على منصة ( لينكد إن)
تنويع المصادر والاستثمار بالبدائل
أظهرت الأحداث المتشابهة عبر التاريخ الحديث أن «القوة القاهرة» هي القناة التي تنتقل عبرها الأزمات إلى محفظة المستهلك.
في عام 2005، فعل إعصار كاترينا في الولايات المتحدة ما لم تفعله الحروب؛ حيث أعلنت شركات كبرى مثل «شل» و«بي بي» القوة القاهرة بعد تعطل 90% من إنتاج الغاز في خليج المكسيك. حينها، لم تكتفِ الأسعار بالقفز، بل تغيرت هيكلية العقود العالمية لتشمل بنوداً أكثر مرونة.
وفي عام 2021، تكرر السيناريو مع إعصار أيدا، الذي تسبب في فقدان نحو 30 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، مما أدى إلى موجة تضخم في أسعار الكهرباء بأوروبا وأمريكا الشمالية.
أما النموذج الأبرز، ما حدث أعقاب أزمة أوكرانيا 2022، حين لجأت شركات روسية لتفعيل البند ذاته، مما دفع دولاً مثل ألمانيا لإعادة هندسة اقتصادها بالكامل بعيداً عن «المورد الواحد».
ميناء خليفة البحريني يعلن القوة القاهرة مع تصاعد حرب إيران
هذه السوابق تؤكد أن القوة القاهرة ليست مجرد «عطل»، بل هي «إعادة ضبط» للعلاقات التجارية الدولية، كما ترى وكالة الطاقة الدولية (IEA)، التي تقول إن الأسواق أصبحت أقل تسامحاً مع انقطاعات الإمداد، مما يدفع كبار المشترين في آسيا للبحث عن تنويع أكبر للشركاء مهما بلغت الكلفة.
تعتقد بريدجيت باين، أن الحل لن يقتصر على إعادة كتابة العقود، بل سيمتد إلى استراتيجيات أكثر عمقاً. وتقول: «سيتجه المستوردون لتعزيز المرونة عبر بناء قدرات تخزين محلية وتقليل الانكشاف للمخاطر من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة أو النووية».
وتصف باين أحداث القوة القاهرة بأنها «مخاطر ذيلية» (Tail Risks)، أي أحداث نادرة لكنها كارثية، والرد الأكبر عليها سيكون بإعادة النظر في دور الغاز المسال ضمن مزيج الطاقة العالمي في ضوء البدائل المتاحة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس


